* أولئك هم المجرمون حقاً. * الذين يزرعون طُرقاتنا أشلاءً، ويغرقونها دماً، ويكسونها عظاماً مبعثرة. * الذين يملؤون بيوتنا دموعاً وحزناً وآمالاً مضيَّعة,. * الذين يمنحوننا القبور الضيقة، ونحن نستشرف الآفاق الرحبة والواسعة. * الذين يسبغون علينا الكآبة القاتلة، ونحن نملأ صدورنا برياح المستقبل الباسم. * الذين يغرقوننا في الشتاء العاصف القاتم، ونحن نتطلع إلى ربيع الحياة البهيج. * إنهم قراصنة الحياة وغيلان البهجة، وقتَلة الأمل. * فهم الذين يسرقون الابتسامات البريئة من شفاه أطفالنا، ويورثونهم حزن اليتم، ورحلتَه البائسة. * وهم الذين يخطفون الاطمئنان والدفء من قلوب نسائنا، ليقايضوهن لوعة الثكل، وناره المضطرمة. * هم الذين يغدرون بشبابنا في ربيع العمر، وبشيوخنا في هدأة الخريف، وبالحياة في قمة النشوة والعطاء. * أولئك أعداء لنا,. إنهم أعداء الانسان والحياة والأمل. *** أنا لا أعرفك جيداً أيها الراحل,. ربما التقيت بك مرة,, أو مرتين في جلسة بلوت سريعة,, أو محادثة عابرة,,, أو عند إشارة,, مُرور * لكنني أتذكُركَ جيداً,. كنتُ ألمَحُكَ في سيارتك المتواضعة,, كل صباح,. وأنت تأخذ أطفالك إلى مقاصدهم المختلفة في هذه المدينة المترامية الأطراف,. * السابعة صباحاً,, كان موعدك كل يوم,, أو هي السادسة والنصف. لتبدأ الرحلة العصيبة بين سيول الشاحنات الراعدة، وأكداس الرّعناء والجهلة العابثين وهم ينقضّون,, بنيرانهم الحديدية القاتلة على المطمئنين الأبرياء. * وعندما قرأتُ خبرَ وفاتك,. غضبتُ,, وحزنتُ لشباب بلدي,, وكهولها وأطفالها,, وأُناسها جميعهم. * تذكرتُ كيف يُبعثر التقدّمُ أشلاءهم، وتطحن التكنولوجيا عظامهم، وتغتال الحضارة آمالهم وتطلعاتهم. * لقد رأيت في رحيلك الدامي المفاجىء,, احتمالاً يكتنفنا جميعاً,. لا ندري عند أي منعطف أو تقاطع أو رصيف ,. * لكنه احتمال,, رهيب,. أصبح ترقّبُهُ محفوراً كالروع في أعصابنا و هواجسنا ,, ونظراتنا,. وحتى قبلاتنا لأطفالنا,. * أدعو الله أن ينقذ أحباء وطننا منه. * فليس أقسى من أن تفقد بلادنا الفتيّة ثروتها الحقيقية على أيدي المدلّلين العابثين، وهُداة الحزن والألم، وأصحاب اللُّكنات و واللَّهجات البابلية القاتلة. * رحم الله فُلاناً ,, وأطفال فُلان ,, وأسكنهم فسيح جنّاته ورحمنا جميعاً.
|