فن النجارة او صناعة الأخشاب فن قديم ارتبط باقامة الانسان واستقراره، وقيض لهذا الفن في ظل حضارة الإسلام ان يلقى اهتماما ورعاية كبيرتين ليس فقط لميل المسلمين نحو التحضر وحرصهم علىنشر معالمه اينما حلوا شرقاوغربا ولكن أيضا لكلفهم بالفن الجميل في كل ما يستخدمونه من الآت وأدوات او يشيدونه من دور ومساجد، ومدارس، وكان لهذا الذوق الفني اكبر الاثر في اسباغ طابع الوحدة الفنية على منتجات الاخشاب في دار الإسلام دون أن تذهب هذه الوحدة المميزة بالطابع المحلي في العديد من الاقطار الإسلامية.
وقد استخدم المسلمون الاخشاب في المباني المختلفة وخاصة فن عمل الاسقف والروابط بين تيجان الاعمدة وربما استخدموا الاعمدة الخشبية ايضا في حمل اسقف المساجد بتلك المناطق المعروفة بشدة ماتتعرض له من هزات وزلازل, وبالطبع فقد استخدمت الاخشاب في عمل الابواب والنوافذ والاحجبة التي تغطي الفتحات ببرامق من خشب الخرط تسمح بتسلل الاضاءه الناعمة الى داخل المنازل في الوقت الذي لاتسمح فيه للمارة خارجها ان يطلعوا على عورات أهلها.
أما الأدوات المنقولة فقد كان الخشب قاسما مشتركا اعظم فيها فبالاضافة الى الاثاث المنزلي صنعت منابر المساجد ودكك المبلغين وكراسي القراء والمصاحف من الخشب وايضا المحاريب المتنقلة والصناديق والخوانات والتوابيت وكراسي المصحف (الأرحال).
وإذا كان المسلمون قد استخدموا ذات الأساليب الصناعية السابقة على حضارتهم باجادة تامة الا ان ذلك لم يرطن طموحاتهم، فقاموا باضافة اسلوب صناعي جديد من ابتكارات قرائحهم الا وهو اسلوب صناعة الاداة الخشبية عن طريق تجميع الحشوات وطبقا لهذا الاسلوب الإسلامي الخالص فإن الأداة الخشبية كانت تتألف من قطع صغيرة على هيئات هندسية مختلفة أهمها الاشكال الثمانية الاضلاع والاشكال النجمية وغيرها تجمع داخل اطارات دقيقة (سدايب) دون حاجة لاستعمال مواد مثبته , وقد اتاح هذا الاسلوب للنجار المسلم ان يفيد من كل قطعة مهما صغرت من الاخشاب الثمينة والجيدة والتي لم تكن متوافرة في العديد من الولايات الإسلامية.
والحقيقة ان طريقة الحشوات المجمعة قد قضت على مخاطر تقوس الادوات الخشبية إذا ما صنعت من قطع واحدة كبيرة الأبعاد، خاصة وان معظم ديار المسلمين تقع في المناطق المدارية او حتى السهوب ذات المناخ القاري الشديد التطرف, ومن المعروف ان الفوارق الكبيرة في درجات الحرارة بين النهار والليل وكذلك بين فصلي الشتاء والصيف في مثل هذه الاقاليم المناخية قد تؤدي الى تقوس الاخشاب ولكن وجود الحشوات سمح لها بالتمدد داخل السرايب والانكماش دون أي تهديد للأداة الخشبية.
ولم يشأ الفنان المسلم أن يترك الحشوات التي كانت تجمع علىهيئة زخرفية هندسية وانما راح ايضا يزخرف هذه الحشوات مستخدما اسلوب الحفر وهو مانراه على سبيل المثال في زخارف الحشوات الخشبية في أحد أضرحة ماكلى في باكستان وايضا في ضريح شاوقندي بباكستان حيث استخدمت هيئات العقود والنجوم بل وهيئات الصرر والمربعات والمعينات في تزيين الحشوات.
والحقيقة أن فن زخرفة الاخشاب الإسلامية قد حافظ على وحدته الفنية حتى العصر الحديث وايد ذلك مانراه في زخارف التيجان الخشبية لاعمدةمسجد خيوة الجامع (أوزبكستان) الذي شيد في عام 1789م والتي تتألف من زخارف التوريق العربية (الارابيسك) المعروفة بتداخل رسوم الأوراق والأغصان النباتية مع رسوم أنصاف المراوح النخيليه والوريدات وهو مانراه ماثلا في العديد من ديار الاسلام.
احمد الصاوي