Sunday 24th October, 1999 G No. 9887جريدة الجزيرة الأحد 15 ,رجب 1420 العدد 9887


رحلات ساراماغو المجهولة :تأمل التاريخ ومزج الأسطورة بالواقع
رضا الطاهر

في آخر عمل صدر له العام الماضي وترجم مؤخرا، الى الانجليزية تحت عنوان ( قصة الجزيرة المجهولة ) يروي الكاتب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل العام الماضي قصة رجل مجهول دق باب احد الاثرياء طالبا منه قاربا 0 وكان لبيت الثري الكثير من الابواب ، لكن الباب الذي دقه الرجل المجهول كان باب الحاجات واعترض الثري على المبرر الذي طرحه الرجل للحصول على القارب ، وهو البحث عن الجزيرة المجهولة وادعى الثري انه لم يعد هناك شيء مجهول وفقا لمستشاريه في الجغرافيا ولكنه استجاب اخيرا لتضرعات الرجل وتوسلاته فانطلق الرجل في هذه الرحلة ترافقه امرأة كانت قد سمعت تضرعاته امام الثري وفي هذه الرحلة الاسطورية ينفتح المشهد ، عبر الامواج، على ابعاد تعيدنا الى اكتشاف الانسان القديم العالم, وتمزج هذه الرواية القصيرة الخفية المعاني التصوير الحي بالايجاز المفعم بالحكمة ، والحوار الساخن ، والمستويات المتعددة المعاني ، وهي سمات نجدها في روايات ساراماغو الاخرى ويخطىء من يظن انها قصه خرافية للاطفال ، فنحن نقرأ قصة حب ونستمع الى حكاية فلسفية والسؤال المهم بالنسبة لنا نحن القراء هو ليس : هل كان خوزيه ساراماغو يستحق جائزة نوبل ؟ وانما : الى اي مدى يحتاج العالم ساراماغو ؟ والجواب : كثيرا, ذلك ان العالم بحاجة اليه كما هو بحاجة الى الشاعرة البولندية فيستافا زيمبورسكا فمن دون احرازهما جائزة نوبل لم يكن لأي منهما أن يقرأ على نطاق واسع خارج بلاده 0
والشيء الاول الذي يميز صوت ساراماغو الخاص جدا في السرد هو سعة الأفق والهدوء, انه يشبه نهرا عريضا متدفقا يحمل الكثير من الاصوات المختلفة في جريانه حيث تحدث حوارات متنوعة على امتداده دون توقف .
وساراماغو، كراوية، هو الشخص الثالث بين شخصياته ومصائرها, والحياة التي يرويها حياة متواضعة ، وهو فيلسوف مغرم بهذه الحياة فالشخصية الرئيسية في روايته ( كل الاسماء ) التي ظهرت بالانجليزية، مؤخرا، وكانت قد نشرت بالبرتغالية عام 1997، هو خوزيه، الكهل الاعزب الذي يعمل موظفا في دائرة السجلات المدنية في لشبونة حيث تسجل كل حالات الولادة والموت والزواج والطلاق ( خوزيه ساراماغو نفسه كان قد عمل موظفا في دائرة مدنية شبيهة حتى بلوغه الستين ) وتدور القصة حول كيف ان هذا الرجل الهش ، المتردد يكتشف ، شيئا فشيئا واسبوعا بعد اسبوع ، شجاعته ففي احد الايام عثر على بطاقة شخصية لامرأة تبلغ من العمر ستة وثلاثين عاما ودون ان يعرف لماذا يتعين عليه البحث عنها ، شرع في هذا البحث في مدينة تضم الملايين وبدأ يتنقل ، مرة مثل رجل بوليس واخرى مثل رجل عاشق ، من مغامرة الى اخرى وبعد اسابيع عدة اكتشف ان بطاقتها في السجل العام لم تعد في مكانها المعتاد ، مما يمكن ان يعني شيئا واحدا : انها توفيت فيشرع في التجول في المقبرة باحثا عن قبرها لزيارته ، ومتشبثا بفكرة انه لا بد ان يجدها 0
وهذه الرواية ، شأن معظم روايات ساراماغو ، تمزج بين الاسطورة والواقع ولا غرابة في ان الاكاديمية الملكية السويدية قيمت ساراماغو قائلة بأنه تمكن من خلال استخدامه المجاز المدعوم بالخيال والعاطفة والسخرية من جعل الواقع المتباعد ملموسا,, فمن ذا الذي يستطيع ان يساعدنا ، مرة اخرى على ادراك حقيقة مخادعة، بمجرد الحديث عن امثلة يجسدها الخيال والسخرية ولفتت الاكاديمية الانتباه الى ان الروائي البرتغالي ، الذي يعيش حاليا في جزر الكناري ، لم يحقق اي نجاح لافت الا عندما بلغ الستين.
ولد خوزيه ساراماغو عام 1922م في ازيناغا بمقاطعة ريباتيغو في عائلة مزارعين نزحوا من الريف الى المدينة وارغم على ترك الدراسة طلبا للعيش وقبل ان يصبح صحفيا ، ومترجما، وكاتبا ، مارس عددا من المهن اليدوية وفي سنوات السبعينات عاش ، بشكل رئيسي ، على عوائد عمله في الترجمة ، وتفرغ للكتابة منذ عام 1979م.
نشر ساراماغو الروايات والقصص القصيرة والقصائد والمسرحيات والنصوص الاوبرالية واليوميات وكتب الرحلات وقد تأخر عن كشف نتاجه الادبي الذي ضم نحو عشرين كتابا ترجم بعضها الى اكثر من عشرين لغة فبعد صدور اول رواية له بعنوان ( اراضي الخطيئة ) عام 1947 لم ينشر كتابه الثاني الا عام 1966 ، كان مجموعة شعرية اما اول رواية اشتهرت له فهي ( دليل فن الرسم والخط ) ومن بين رواياته الشهيرة الاخرى : ( بالثازار وبليموندا ) ، و ( سنة مقتل ركاردو ريس ) ، و ( الطوف الحجري ) ، و ( وتاريخ حصار لشبونة ) ، و ( الانجيل حسب يسوع المسيح ) ، و( العمر ) اضافة الى روايتيه الاخيرتين اللتين اشرنا اليهما وهما ( كل الاسماء ) ، و( قصة الجزيرة المجهولة ) 0
وكانت رواية ( ميمو ريال دو كونفينتو ) التي صدرت عام 1982 ، وظهرت بالانجليزية بعنوان ( بالثازار وبليموندا ) علامة بارزة في حياته الابداعية وهي رواية جمعت ثروة من الخيال الذي يعكس شخصية ساراماغو ، وجسدت رؤاه الاجتماعية والتاريخية وقد اعتمد المؤلف الموسيقي الايطالي ازيو كورغي على هذه الرواية في تأليفه أوبرا ( بليموندا ) وتبدأ أحداث هذه الرواية الرومانتيكية السريالية في لشبونة عام 1711 ، وهي فترة محاكم التفتيش المروعة ويذكر المخرج السينمائي البرتغالي فرناندو لوبيس ، صديق ساراماغو ، انه حاول ان يقنع الكاتب بالسماح له بانتاج الرواية للسينما ويقول ان المخرج السينمائي الشهير فلليني كتب عن هذه الرواية مؤكدا انه ربما كانت الرواية الوحيدة التي تستحق ، من بين ما قرأته في السنوات الاخيرة ، ان تتحول الى فيلم .
ولكن ساراماغو لم يكن متحمسا للمشروع.
وتدور رواية ( سنة مقتل ريكاردو ريس ) الصادرة عام 1984 حول احداث وقعت عام 1936 في لشبونة اثناء الحكم الدكتاتوري واضفى عليها ساراماغو طابع اللامعقول وقيم الناقد والروائي ايلان ستافانس هذا العمل بقوله : اضعه بين أفضل الروايات التي قراتها 0 فهو قطعة ادبية رائعة تصور تلك الاحداث التي شهدتها لشبونة ,وفي هذه الرواية يستغل ساراماغو العلاقة بين الوهم والحقيقة ، على نحو مبدع ، متأملا التحولات العاصفة للمجتمع البرتغالي في فترة هيمنت فيها الفاشية, ولا يكتفي بتأمل التاريخ بل يحاكم القيم السائدة كاشفا ، بحدة ، عن تناقضات المجتمع البرتغالي.
ويستخدم ساراماغو اسلوبا رمزيا ، ومجازا ساخرا لموضوع ضياع الهوية في روايته ( الطوف الحجري ) الصادرة عام 1986 ويجسد في روايته ( تاريخ حصار لشبونة) الماضي والحاضر ، والخيال والتاريخ ، مهتما بموضوع اعادة كتابة التاريخ وتصوير العلاقة بين ما صنعته الاحداث وما اخترعه كتاب التاريخ.
وليست قدرة ساراماغو على تصوير مشاعر الحب الدليل على كونه كاتبا عظيما فشخصياته قد تتميز بالابهام لكنها عميقة ، ولا تتجنب مواجهة بعضها بعضا ، او مواجهة النفس في عملية البحث عن الحقيقة ,اما رواية ( العمر ) - 1995 فتصور التفاصيل المرعبة لانهيار المجتمع كليا في اعقاب كارثة غير طبيعية وهي قصة مرعبة لبلاد تصاب ، بأسرها بالعمى، ويحل فيها الطاعون وفي السنوات الاخيرة يواصل ساراماغو نشر يومياته التي تشتمل على الكثير من الافكار المثيرة حول الادب والسياسة والشيخوخة ومن بين افضل صفحات يومياته ما كتبه عن زوجته بيلار ، التي تصغره بثلاثين عاما ، وهي الصحفية الاسبانية التي تزوجها أواسط الثمانينات,يمزج ساراماغو بين عناصر التراث والمعاصرة في الشكل والمحتوى ، ويجسد معظم النقاد روايات ساراماغو روايات اسطورية ان لم يكن بسبب موضوعها ، فبسبب ايقاعاتها ونغماتها الختامية - فهي تشبه عملا موسيقيا نمتلك عند سماعه ، موهبة القدرة على تخيل نعماته وآلاته فهناك سلسلة في الايقاع الادبي ، وضربات الطبول التي تجسده ، مما يوحي بأن الواقعية السحرية لا تبدأ وتنتهي بفارسيا ماركيز وبمائة عام من العزلة
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved