Saturday 24th April, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 8 محرم


من ضوابط الكفر والتكفير
أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري

قال أبو عبد الرحمن: ليس التفريق بين مسائل الأصول والفروع من مستحدثات أهل البدع، بل هو من تصنيف علماء المسلمين الذين قسموا أحكام الشرع إلى مسائل عملية فقهية ومسائل اعتقادية,, ولا محذور في تسمية المسائل الاعتقادية أصولاً، لأنه يصدر عنها سلوك المسلمين، ولأنها مقدمة على العمل، إذ لا يقبل الله العمل قبل صحة الاعتقاد,, والشرع له أحكامه وله إطلاقه.
فأما الاطلاق فورود الوصف بالكفر للاعتقاد وهذا أمثلته من الشرع كثيرة، وللعمل كتكفير تارك الصلاة، وللقول,, قال أبو محمد ابن حزم: ومما يبيّن أن الكفر يكون بالكلام قول الله عز وجل: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً, وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً, قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً),, إلى قوله تعالى: (يا ليتني لم أشرك بربي أحداً) ]سورة الكهف/ 35 - 42[، فأثبت الله الشرك والكفر مع إقراره بربه تعالى، إذ شك في البعث.
وقال تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ]سورة البقرة/ 85[، فصح أن من آمن ببعض الدين، وكفر بشيء منه فهو كافر مع صحة تصديقه لما صدق من ذلك (1) .
قال أبو عبد الرحمن: ولكن الأحكام تختلف، فليس الكفر العملي كالكفر الاعتقادي من ناحية الخلود في النار.
ويلاحظ أن ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى جعل من الكفر العملي ما يضاد الإيمان كالسجود لصنم، وما لا يضاده كالحكم بغير ما أنزل الله,.
قال: هو من الكفر العملي قطعاً.
قال أبو عبد الرحمن: لم تظهر لي هذه القطعية إلا إن أراد بالحكم بغير ما أنزل الله أن يعصي المسلم حكم ربه في العقود والمعاملات مثلاً مع إيمانه بأن ما خالفه من عند الله، وهذا غير حاكم بغير ما أنزل الله، ولكنه عاص لحكم الله، فيكون فعله كفراً عملياً وليس هو مؤمناً حال فعلته، وإنما يعود له إيمانه عندما يعود إلى الطاعة.
وإنما الحكم بغير ما أنزل الله عندما يُحتكَم اليه فيحكم بغير ما انزل الله وهو يعلم، ولا دافع له إلى ذلك إلا اعتقاد الكمال في غير ما أنزل الله، فهذا جحد للشرع وكذب عليه، فهو كفر عملي اعتقادي إذا علمنا أنه حكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم,, ولكننا لا نعلم عن نيته والباعث له في الحكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم ما أنزل الله، فنقضي بأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر عملي، ولا نقضي بأنه كفر اعتقادي حتى يقوم البرهان على عقيدته.
قال ابو عبد الرحمن: وما انزل الله هو كتب الله، والايمان بكتب الله واجب.
ولست والله أتصور أن يكون الحكم بغير ما أنزل الله إيماناً بكتب الله؟!,, وانما افقه ان الحكم بغير ما أنزل الله (بعد العلم بما أنزل الله) كفر بما أنزل الله، فيكون الأصل في الحكم بغير ما انزل الله، المانع من الحكم بما انزل الله (وهو يعلم حقيقة ما أنزل الله): التكفير عملاً واعتقاداً حتى يقوم برهان يمنع من تكفيره.
قال أبو عبد الرحمن: الكفر عكس الإيمان في المعاني والأحكام,, وما دام أن النص الشرعي الصحيح القطعي حدد موضوع الإيمان، وإنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر, فيجب ان يكون كفراً كل اعتقاد فيما سبق ذكره بخلاف ما جاء به الوحي.
قال أبو عبد الرحمن: ومن ضوابط الكفر الصحيحة عما هو كفر في ذاته، ويقتضي التكفير، فيُكفّر به اذا ارتفعت الموانع: ملاحظةُ موضوع الكفر والتفكير فلا كفر ولا تفكير إلا بالتكذيب بالله، وما يلزم عن ذينك، ذلك أن الكفر يتعلق بالرب سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله,, ومن أفعاله سبحانه وتعالى إنزال الشرائع وبعث الرسل,, وأخباره سبحانه وتعالى وأوامره ونواهيه آتية من كتبه ورسله، فالكفر (بمختلف معانيه الشرعية واللغوية) يتعلق بهذه الأمور، إذن الكفر يتعلق بالتكذيب بالله، وذلك بجحد أن يكون سبحانه موجوداً رباً إلهاً له الكمال المطلق,, كما يتعلق بتكذيب الله، وذلك بجحد شيء مما أوجب الله الايمان به كإنكار الملائكة او الكتب او الرسل، او تكذيب رسول بأنه مرسل من ربه، أو تكذيب بعض ما جاء به وبيَّن أنه من عند ربه من خبر أو تكليف، والتكذيب وقوع، وتكذيب اعتبار,, وتكذيب الاعتبار هو تسفيه الشرع وتجهيله واتهامه بالظلم باسم النقد (بعد العلم بثبوته عمن تجب طاعته، وبعد العلم بمدلوله)، لأن تسفيه الشرع جحد لكمال الله وتنزيهه، وتكذيب له فيما أخبر به عن نفسه من كمال علمه وحكمته وتنزهه عن الظلم، وهو جحد لبراهينه الكونية والشرعية الدالة على كماله وقدسيته.
وبغض الشرع ومعاندته والسخرية به ومحادته وعداوته كفر، لأن الرب سبحانه على صفات وأفعال تقتضي محبته وموالاته، ولأن شرعه مقتضى كماله علماً وحكمة وعدلاً ورحمة ولطفاً,, وبغض الحق والخير والجمال ظلم، ولا يصدر ذلك الظلم عن اعتقاد بأن المبغَض حق وخير وجمال، فهذا وجه اعتباره كفراً من جهة اللغة,, كما أن من أبغض الشيء لم يمتثله، فهذا وجه لغوي آخر,, وأما حكم الشرع فثابت من نصوص كثيرة عن كفر من حارب الشرع وعانده وأبغضه وظاهر عليه.
وتعطيل الشرع بالحكم بغيره كفر إذا صدر عن اعتقاد بطلانه، وأن الحق في غيره,, وهو كفر عملي اعتقادي في آن واحد، وهو كفر أيضاً إذا صدر الحكم عن هوى وحمية وعصبية لمذهب أو طائفة، وهو على يقين بأنه حاكم بغير ما أنزل الله,, وهو كفر عملي إذا وجد الاعتقاد بأن الشرع الذي عطله حق من عند الله، وسوّف بالتوبة,, على انه لا ينفع الاقرار بالذنب والاعتراف بالمعصية مع الاصرار بل لا بد من التوبة بشروطها، والثبات حتى الممات.
والحكم بغير ما أنزل الله دعوة الى غير دين الله، وهو خلاف الايمان بشرع الله وكتبه (وخلافُ الإيمان الكفرُ)، وهذا يختلف عن الكفر العملي الذي هو معصية في السلوك كأن يقوم له البرهان بأن دين الله يقضي بطلاق المرأة بثلاث، فيجحد هو عشرين طلقة ولا شبهة له من تأويل أو غيره إلا اتباع الهوى، فهذا كفره عملي، لأنه استباح بفعله الدائم ما يعلم أنه حرام,, ومثله من حكم لغيره بذلك، وليس كفراً اعتقادياً لانه لم يعتقد كذب الشرع، ولم يكذب به، وسوّف بالتوبة وهو باق على ايمانه في الأمور الأخرى.
اما استباحة كل محرم، وتعطيل كل واجب حكماً واداء فظاهره الكفر عملاً واعتقاداً فيما يظهر لنا نجري به احكام الكفر والتكفير في الدنيا,, وقد يكون الحاكم بغير ما انزل الله غير قادر على الحكم بما انزل الله كأرباب الحكومات العلمانية في بلاد المسلمين، فنحكم بكفر نظامه وان كفره عملي، ونكل أمر التكفير اعتقاداً الى الله العليم بذات الصدور.
والمقتضي اللغوي أن تكون كل معصية لله كفراً، لأن نتيجة الايمان العمل، ونتيجة الكفر التكذيب والمعصية,, ولكن الله رحمنا بحكمه الشرعي، فجعل معصية لمماً، ومعصية صغيرة، ومعصية كبيرة، ومعصية كفراً بإطلاق كترك الصلاة ومعصية كفراً حال فعلها فحسب كالزنى والسرقة، ولهذا نقّيد معاني الكفر اللغوية بأحكام الشرع.
والأصل فيما سماه الشرع كفراً او حكم بأنه كفر: أن يكون مقتضباً للتكفير إذا ارتفع المانع، ومن ثم فالأصل أن ترتب أحكامه الشرعية الدنيوية كعدم التوارث,.
هذا هو الاصل ولا يُنصرف عنه إلا بدليل، والصلاة من أركان الإسلام يُقتل ويُقاتل من اصر على تركها اذا عُلم تركه لها وطلب منه أداؤها,.
وهو كافر سواء جحد وجوبها أو لم يجحد,, يُقتل وتُجرى عليه احكام الكفر في الظاهر، لأن الامتناع عن ادائها لغير عذر بعد مطالبته بركن الاسلام (الذي هو الاستسلام لدين الله) لا معنى له فيما يظهر لنا الا الردة، والردة كفر وشرع الله سماه كافراً.
وأما من يترك الصلاة خفية لم يجاهر بالامتناع منها اذا طلبت منه، فهذا كافر منافق عملاً واعتقاداً إن كان جاحداً لوجوبها، غير معتقد طاعة الموجب لها سبحانه,, فإن كان تركه لها خفية مسوفاً بالتوبة مقراً بوجوبها، معترفاً بذنبه: لهذا فعله كفر بنص الشرع وهو كفر عملي ليس له حكم الكفر المطلق من الخلود في النار، لأن الأحاديث الصحيحة فيمن يخرجون من النار بالشفاعة تأبى ذلك,, فإن عقد العزم على ترك الصلاة مدة حياته لا يفكر في إقامتها الا خوفاً على نفسه اذا طُلب منه اداؤها، او ادركته جماعة يُتهم ان لم يؤدها معهم، وربما أداها على غير وضوء: فهذا ينبغي أن يعلم هو من نفسه أنه كافر كفراً مخرجاً من الملة، لأنه عقد العزم على تركها بإصرار، فالترك كفر عملي، وعقد العزم كفر اعتقادي، لأنه تصميم على جحد حق الله من عبادة الصلاة بأدائها,, وهذا الذي لا يؤدي الصلاة طاعة الله وإنما خوفاً على نفسه ان يُستباح دمه ليس من حقه أن يطلب من الناس أن يعللوا له تكفير تارك الصلاة (وهو يؤمن بالله وبوجوبها ويفعل اموراً من الخير)، بل عليه هو أن يعلل للناس كيف يكون مؤمناً وهو يصر على ترك الصلاة بلا عذر بعد علمه بأن الشرع يُكفِّر من يتركها.
وإذا تحقق مفهوم الكفر في المسالة بأنها كفر بنص قطعي فهي كفر في الظاهر والباطن، فالظاهر علمنا، والباطن حكمه عند الله وقد عرفناه من شرعه,.
أما صاحب المسألة فهو الذي يتعلق به التفريع إلى كافر في الظاهر دون الباطن أو فيهما معاً.
قال أبو عبد الرحمن: وموضوع البحث عن كفر وتكفير ينتجان كافراً تميز في الآخرة بأن النار أعدت له كما في قول الله تعالى: (,,فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) ]سورة البقرة/ 24[، وقوله (واتقوا النار التي اعدت للكافرين) ]سورة آل عمران/ 131[,, وبأنه من اصحاب النار او الجحيم أو المشأمة خالداً فيها كما في قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) ]سورة البقرة/ 39، وسورة التغابن/ 10[، وآخر الآية (,,خالدين فيها وبئس المصير) وقوله تعالى (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب الجحيم) ]سورة المائدة/ 10 و85، وسورة الحديد/ 19[، وقوله تعالى والذين كفروا بآياتنا هم اصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة ]سورة البلد/ 19 - 20[,, وبأن الله لا يغفر له وانه يئس من رحمة الله، وأن اعماله حابطة وان الجنة محرمة عليه كما في قوله تعالى: (ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم) ]سورة محمد/ 34[ وقوله (ان الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً الا طريق جهم خالدين فيها ابداً وكان ذلك على الله يسيراً) ]سورة النساء/ 168 - 169[ وقوله تعالى (والذين كفروا بآيات الله ولقائه اولئك يئسوا من رحمتي,,) ]سورة العنكبوت/ 23[ وقوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط اعمالهم) ]سرة محمد/ 8 - 9[، وقوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط اعمالهم)، ]سورة محمد/ 32[، وقوله تعالى: (ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله,,) ]سورة المائدة/ 5[.
وقوله تعالى: (,,ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والآخرة واولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) ]سورة البقرة/ 217[، وقوله تعالى عن نعيم اهل الجنة: (ونادي اصحاب النار اصحاب الجنة ان افيضوا علينا من الماء او مما رزقكم الله قالوا ان الله حرمهما على الكافرين) ]سورة الأعراف/ 50[.
وهذا الوعد لمن مات وهو كافر كما مر اشتراطه في بعض الآيات المذكورة آنفاً، وكما في قوله تعالى: (ان الذين كفروا وماتوا وهم كفار اولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين, خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) ]سورة البقرة 161 - 162[ وبأن له العذاب المهين,, قال شيخ الاسلام ابن تيمية: ولم يجيء اعداد العذاب المهين في القرآن الا في حق الكفار كقوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ] سورة النساء/ 37[، وقوله: فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ]سورة البقرة/ 90[ وقوله: (,,انما نملي لهم ليزدادوا إثماً، ولهم عذاب مهين)] سورة آل عمران /178[ وقوله: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين) ]سورة الحج/ 57[، وقوله: (واذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين)]سورة الجاثية/ 9[ وقوله: وقد انزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين) ]سورة المجادلة/ 5[ وقوله: (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين) ]سورة المجادلة/ 16).
وأما قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) ]سورة النساء/ 14[ فهي والله اعلم في من جحد الفرائض واستخف بها,, على انه لم يذكر ان العذاب أُعِد له (2) .
قال أبو عبد الرحمن: جاءت هذه الآية الكريمة بعد شرع الله في قسمة المواريث، واعلان انها وصية من الله، وان شرعه حدوده,, ثم فرّعت الآيتان بعد ذلك تفريعاً يدل على ان المراد بمن له عذاب مهين الكافر، لأن الآيتين قسمتا الموعودين الى مطيع لله ورسوله له الجنة، والى عاص الله ورسوله متعد لحدوده له عذاب مهين بمقابل من لهم الجنات خالدين فيها,, قال تعالى: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم, ومن يعص الله,,,) ]سورة النساء/ 13 - 14[.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية: وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيداً للمؤمنين في قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم في ما اخذتم عذاب عظيم) ]سورة الأنفال 68[، وقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما افضتم فيه عذاب عظيم) ]سورة النور، 14[ وفي المحارب: ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) ]سورة المائدة/ 33[، وفي القاتل: (وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) ]سورة النساء/ 93[ (3) وقوله: (ولا تتخذوا ايمانكم دخلاً بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم) ]سورة النحل/ 94[,, وقد قال سبحانه: (ومن يهن الله فما له من مكرم) ]سورة الحج/ 18[ وذلك لأن الاهانة إذلال وتحقير وخزي وذلك قدر زائد على ألم العذاب، فقد يُعذب الرجل الكريم ولا يهان.
فلما قال في هذه الآية: (وأعد لهم عذاباً مهينا) ]سورة الأحزاب 57) علم انه جنس العذاب الذي توعد به الكفار والمنافقين (4) .
قال أبو عبد الرحمن: سياق شيخ الاسلام ها هنا عن الحكم في من صدر منه قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الطاهرة المبرأة من قبل ربها عالم السر وأخفى,, وأول الآية: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة,,) وهي وعيد للكافرين بلا ريب,, ولا يعارض ذلك أن فيمن قذف عائشة رضي الله عنها، أو صدق من قذفها بعض المؤمنين وذلك قبل نزول براءتها، بل الوعيد مجرد للكافرين والمنافقين لأنه عن عموم ايذاء الله ورسوله بمحادة شرعه في احكام عديدة منها القذف، ولأن السياق عمن تولى كبر الإيذاء في الجملة من المنافقين.
ومما يدلك على تجرد الوعيد للكافرين والمنافقين ان السياق يعود اليهم اكثر من مرة خلال الآيات، بل السياق عن المنافقين ويهود وعن اتفاقهم على الباطل,, قال تعالى في نفس السياق من سورة الأحزاب: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم,,) وقال: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة)، وقال: (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً).
قال أبو عبد الرحمن: وذلك ختام السورة وإذن فالوعيد بالعذاب المهين مجرد للكافرين.
ثم قال شيخ الاسلام: ولما قال هناك: (ولهم عذاب عظيم) ]سورة النور/ 23[ (5) جاز أن يكون من جنس العذاب في قوله: (لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم) ]سورة النور/ 14[.
ومما يبين الفرق أيضاً انه سبحانه وتعالى قال هنا: (وأعد لهم عذاباً مهينا) ]سورة الأحزاب/ 57[ والعذاب انما اعد للكافرين، فان جهنم لهم خلقت، لأنهم لا بد ان يدخلوها، وما هم منها بمخرجين,, وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز ان لا يدخلوها اذا غفر الله لهم، واذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين,, قال سبحانه: (واتقوا النار التي اعدت للكافرين) ]سورة آل عمران/ 131[ فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا الربا، وان يتقوا الله، وان يتقوا النار التي أعدت للكافرين، فعلم أنهم يُخاف عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصي مع أنها معدة للكفار لا لهم.
وكذلك جاء في الحديث: أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ،وأما اقوام لهم ذنوب يصيبهم سفع من نار ثم يخرجهم الله منها (6) .
وهذا كما ان الجنة اعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وإن كان يدخلها الأبناء بعمل آبائهم، ويدخلها قوم بالشفاعة ، وقوم بالرحمة وينشىء الله لما فضل منها خلقاً آخر في الدار الآخرة، فيدخلهم اياها (7) وذلك لأن الشيء انما يُعَدُّ لمن يستوجبه ويستحقه ولمن هو اولى الناس به، ثم قد يدخل معه غيره بطريق التبع أو لسبب آخر (8) .
قال أبو عبد الرحمن: وأما الخلود ففيه نصوص كثيرة كقول الله تعالى: (ان الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً) ]سورة الأحزاب/ 64 - 65[.
ولقد خلق الله الناس فمنهم مؤمن وكافر ونصوص الشرع بينت الايمان والكفر، ورتبت عليهما أحكاماً في الدنيا والآخرة، وحذرت من التكفير بغير برهان، ولم تجعل كل مخالفة للحق كفراً.
وبما أن التكفير بغير برهان لا يجوز فإن التورع والتحرج من ذلك مطلب شرعي,, ولا يعني التخرج ان لا يكفر أحد، وان يكون الموقف مائعاً يُغمض على كل كفر وكافر، فهذا لا يكون ابداً ما دام في الناس مؤمن وكافر,, وانما يعني التحرج التورع من التكفير بغير برهان، وان يكون للحكم بالكفر وللتورع من التكفير ضوابط معلومة يعرف بها المؤمن من الكافر,, ولا تلازم بين الكفر والتكفير، وانما بينهما خصوص وعموم فكل تكفير صحيح مستلزم للكفر وليس كل كفر صحيح مستلزماً للتكفير.
هوامش
(1) الفصل 3/235.
(2) الصارم المسلول ص52.
(3) أول الآية الكريمة: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه,,).
(5) أحال الشيخ محمد محيي الدين عبدالحميد محقق كتاب الصارم المسلول الى الآية السابعة من سورة البقرة، وليس هذا بجيد؛ لأن آية سورة البقرة عن الكافرين نصا، ولأن شيخ الاسلام إنما يقصد الآية التي وردت في وعظ قاذفي عائشة رضي الله عنها قبل نزول براءتها، وتلك هي الآية من سورة النور، وانظر الصارم المسلول ص47، وص53 التعليقة الخامسة .
(6) قال الإمام مسلم في صحيحه 1/118 في باب اثبات الشفاعة واخراج الموحدين من النار/ كتاب الإيمان: وحدثني نصر بن علي الجهضمي: حدثنا بشر يعني ابن المفضل : عن أبي مسلمة: عن أبي نضرة: عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناسا أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم إماتة حتى اذا كانوا فحما أذن بالشفاعة؛ فيجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم؛ فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل,, فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية .
(7) قال مسلم في كتاب الجنة من صحيحه 8/152:حدثنا محمد بن عبدالله الرُزّي: حدثنا عبدالوهاب بن عطاء في قوله عزوجل:(يوم نقول لجنهم هل امتلأت وتقول هل من مزيد) سورة ق/30 : فأخبرنا: عن سعيد: عن قتادة: عن أنس بن مالك: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تزال جهنهم يُلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟,, حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها الى بعض، وتقول: قط قط بعزتك وكرمك,, ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقا فيسكنهم فضل الجنة.
حدثني زهير بن حرب: حدثنا عفان: حدثنا حماد يعني ابن سلمة : أخبرنا ثابت قال: سمعت أنساً يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: يبقى من الجنة ما شاء الله ان يبقى، ثم ينشىء الله تعالى لها خلقا مما يشاء .
(8) الصارم المسلول ص52-54.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved