قراءة جديدة لديوان أبي الطيب المتنبي 4 -4
قراءة: بدر المطيري
ولا نريد ان نتجاوز هذه الفترة التي قضاها المتنبي مع سيف الدولة الحمداني والحديث عن طبيعة العلاقة التي عاشها بقرب كافور الاخشيدي حاكم مصر لن نتجاوز
هذه الفترة قبل ان ندقق النظر في قصائد الشاعر في هذا الطور,
قلنا آنفا ان هذه الفترة التي انتهت كانت من اجمل الفترات التي عاشها المتنبي,, وأروعها تدفقا شعريا,, وقلنا: ان كثيرين من جلساء الامير والمتشاعرين
حسدوا الشاعر على هذه المكانة التي حظي بها وقد اثبتنا هذا بعدة أبيات,, لكن لا بد من الاشارة الى ملاحظة ثالثة وضحت في شعره في نفس هذه الفترة الا وهي
احساس الشاعر بالصراع المستحكم بين المسلمين والمشركين,, واشارته الى الروم في اكثر من مناسبة على انهم هم الاعداء الحقيقيون لسيف الدولة فمرة يصف ممدوحه
البطل بطول محاربته للروم وان هذه الحرب قد طال امدها,, ويتساءل متى تنتهي هذه الغارات المتكررة,,
انت طول الحياة للروم غاز
فمتى الوعد ان يكون القفول؟
وسوى الروم خلف ظهرك روم
فعلى أي جانبيك تميل؟
وفي قصيدة اخرى وهي آخر قصائده في سيف الدولة لا يتحرج الشاعر من وصف تلك العلاقة القائمة بين المسلمين والمشركين, ولا يخفي تهاون المسلمين واستسلامهم
للاعداء المشركين اما عجزا او رهبا
أرى المسلمين مع المشركين
اما لعجز واما رهب
وأنت مع الله في جانبٍ
قليل الرقاد كثير التعب
ولقد رأينا المتنبي قبل ذلك وهو يمدح بعض الامراء والكتاب انه لا يصف الاعداء,, ولا يعرض بحقيقتهم,, اما بعد اقامته مع سيف الدولة فلم يتحرج الشاعر من
ذكر الاعداء بل كشف عنهم وهم الروم,
ولنقرأ قصيدته التي يقول مطلعها
أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل
دعا فلباه قبل الركب والإبل
وسوف يمر بنا ذكر الروم صريحا في اكثر من بيت في القصيدة,
إذن منذ هذه المرحلة تبدأ الرؤية تتكون لدى شاعرنا المتنبي عن الاعداء الحقيقيين,, وتبرز امامه مشكلة الامة,, وهي مشكلة معقدة في الداخل والخارج
وسوى الروم خلف ظهر روم
فعلى أي جانبيك تميل؟!،
فارق المتنبي سيف الدولة مكرها لا راضيا,,, رغما عنه لا بإرادته,,
ويمم وجهه صوب كافور,, واستقبله الشاعر بقصيدة يائية وسنحاول من خلال هذه القصيدة معرفة الجو النفسي الذي يغلف شخصية الشاعر ويلف حياته في هذه الفترة,
الحق ان المتنبي جمع في هذه القصيدة كل آماله,, وكل طموحاته,, كل جراحه,, وكل احزانه,, ولم يترك لا شاردة ولا واردة من خطرات فكره ولمحات نفسه وصدى
تجاربه إلا نفثها في هذه القصيدة اليائية التي تشعبت موضوعاتها وتفرقت معانيها,, مما يتضح فيها مدى القلق النفسي والتشتت الذهني اللذين يعصفان بنفسية
الشاعر الطموح,, وما كان له ان يستقبل واليا بهذا المطلع غير المناسب
كفى بك داء ان ترى الموت شافيا
وحسب المنايا ان يكنّ أمانيا
تمنيتها لما تمنيت ان ترى
صديقا فأعيا,, أو عدوا مداجيا
وبعد هذين البيتين ينحرف الشاعر الى الحكمة,, حكمة مستخلصة من وقائع حياته والتجارب التي مر بها,, خصوصا اثناء اقامته لدى سيف الدولة الحمداني,, ومحور هذه
الفلسفة يدور حول ايمان الشاعر بالقوة,,
وان كرامة الانسان هي في حياة العزة,, وفي الاقدام والقتال:
إنها ليست فلسفة جديدة بالنسبة للمتنبي,, إنها قديمة قدم الشاعر نفسه في الحياة,, لكن التجارب اكدت صدقها والمواقف عملت على اختزانها في اعماق الشاعر حتى
جاء وقتها المناسب للتشكل الفني لتظهر بهذه الروعة البيانية المؤثرة,
إذا كنت ترضى ان تعيش بذلة
فلا تستعدّن الحسام اليمانيا
ولا تستطيلن الرماح لغارة
ولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
فما ينفع الاسد الحياء من الطوى
ولا تُتقى حتى تكون ضواريا
ولا يستطيع الشاعر كتمان مشاعره تجاه سيف الدولة الذي فارقه على مضض,, وهل يستطيع شاعرنا الحساس ذو الوفاء العميق ان يتجاهل,, او يتناسى اي انسان او مكان
يحل فيه,, بل على العكس من ذلك فما كان اشد تعلق الشاعر بمن يتصل اليه بسبب وتلك احدى المشكلات الكبرى في شخصية شاعرنا المتنبي!،
حببتك قلبي من قبل حبك من نأى
وقد كان غدارا فكن أنت وافيا
واعلم ان البين يشكيك بعده
فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا
فإن دموع العين غدو يريحها
إذا كن إثر الغادرين جواريا
اذا الجود لم يرزق خلاصا من الاذى
فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
وللنفس اخلاق تدل على الفتى
أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا
أقل اشتياقا ايها القلب ربما
رأيتك تصفي الود من ليس صافيا
خلقت ألوفا لو رجعت الى الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
ويوجه الخطاب الى ممدوحه كافور مستدركا حديثه السابق عن الموت والصديق والعدو والحياة الكريمة والحب والاشواق قائلا
ولكن بالفسطاط بحرا أزرته
حياتي ونصحي والهوى والقوافيا
أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقا
إليه وذا اليوم الذي كنت راجيا
أبا كل طيب لا أبا المسك وحده
وكل سحاب لا اخص الغواديا
يدل بمعنى واحد كل فاخر
وقد جمع الرحمن فيك المعانيا
اذا كسب الناس المعالي بالندى
فإنك تعطي في نداك المعاليا
إذا كان الشاعر قد قدم الى كافور مكرها,, ومدحه لحاجة في نفسه فإنه لم يستطع ان يخفي هذه الحاجة,, بل لم يستطع ان يتمهل قليلا عله يكسب ثقة كافور,, فهجم
عليه بهذا الطلب من أول لقاء وفي اولى قصائده
وغير كثير ان يزورك واجل
فيرجع ملكا للعراقين واليا
فقد تهب الجيش الذي جاء غازيا
لسائلك الفرد الذي جاء عافيا
عندما كان المتنبي بحضرة سيف الدولة ,, لم يتجرأ على مثل هذا الطلب ولم يصرح او يلح بمثل هذه الحاجة,, واكبر الظن ان الشاعر أخفى مطامحه الشخصية احتراما
لسيف الدولة,, ولقد شغلته شخصية الامير الفارس المقدام عن التفكير في نفسه والاخلاص لتحقيق مطالبها,, اما عند كافور الاخشيدي فالامر مختلف جدا,, اذ لم
يعجبه هذا الوالي في شيء,, لا في شخصيته ولا في مملكته,,
فكان الشاعر دائم التفكير في نفسه,, وفي تلبية رغائبها وحاجاتها لذلك تبدو قصائده في كافور بعد ذلك أقرب الى التمثيل الصريح وأشبه بالتزييف الواضح
للحقائق التي يعرفها الشعب قبل الشاعر عن استاذهم كافور,,
واذا كنا نكبر في الشاعر طموحه المبطن بالرياء المغلف بالمداهنة فإننا ايضا نكبر ذكاء كافور ودهاءه,
فما أراد هذا الاخشيدي ان يفرط في مثل هذا الشاعر الذي اعتبر حضوره عنده مكسبا أي مكسب,, بل كان يدبر في نفسه أمرا آخر هو أشبه برياء الشاعر ومداهنته,,
ان يبقى الشاعر على طمعه على ان لا يحقق له شيئا من آماله شريطة ان لا يغادر القصر,, ولا يمدح إلا سيده,,
وكان كافور يعيد النظر في قصائد الشاعر ويحاول ان يكتشف من ورائها نفسية صاحبها المستترة عنه,, إذ أنه لا يزال غير واثق من صدق الشاعر فيما يقول,,
ولنقرأ هذه الابيات التي تبعث الخوف في قلب كافور كلما استعادها بينه وبين نفسه,,
يا رجاء العيون في كل ارض
لم يكن غير ان أراك رجائي
فارم بي ما أردت مني فإني
أسد القلب آدمي الرداء
وفؤادي من الملوك وان كان
لساني يرى من الشعراء
أو قوله في مناسبة أخرى من قصيدة طويلة
قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهم
الى غيوث يديه والشآبيب
الى الذي تهب الدولات راحته
ولا يمنّ على آثار موهوب
وتسيطر رغبة المتنبي في الولاية والسلطة,, وتظهر في جل قصائده التي كان يلقيها امام كافور,,
وتعذبه هذه الرغبة,, وتشقيه الهمة التي بين جنبيه وتؤذيه هذه القيود التي احاطه بها كافور,, ثم جعلته هذه الرغبة يرضخ لهذه القيود
وأتعب خلق الله من زاد همه
وقصّر عما تشتهي النفس وجده
فلا ينحلل في المجد مالك كله
فينحل مجد كان بالمال عقده
ودبّره تدبير الذي المجد كفه
إذا حارب الاعداء والمال زنده
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وفي الناس من يرضى بميسور عيشه
ومركوبه رجلاه والثوب جلده
ولكن قلبا بين جنبي ماله
مدى ينتهي بي في مراد أحده
وامضى سلاح قلد المرء نفسه
رجاء أبي المسك الكريم وقصده
فكل نوال كان او هو كائن
فلحظة طرف منك عندي نده
وما رغبتي في عسجد استفيده
ولكنها في مفخر استجده
حقا هذه المرة لا يريد مالا ولا ذهبا,, إنه يريد مفخرة ترفع مكانته في المجتمع,, وتمنحه القوة يأمر بها وينهى من تحت يده ولعل له فلسفة خاصة في تدبير شؤون
الدولة وحث الناس على سننها,, ولكن ليس كل شاعر او فيلسوف يحق له الحكم والولاية,
ان الولاية لها طريقها الخاص,, وبلوغ مرتبتها غير بلوغ مرتبة الشعر,
لقد بلغ المتنبي بالشعر منزلة لا يكاد ينافسه عليها احد,, حتى الامراء والملوك تركوا له الشعر بكل ما فيه,, فلماذا اذاً ينافسهم في عرشهم,, وينفض البساط
من تحت اقدامهم؟
انه الشعور بالعظمة والإحساس العميق بتفوقه على زمانه واهل عصره لقد طال انتظار المتنبي في دار كافور,, بل ذهبت به الظنون كل مذهب,, فقد صرح وعرض بحاجته
طويلا وكافور يتغافل حينا ويمده في الرجاء حينا آخر,, وكأني بهما يتلاحظان ويقرأ كل واحد منهما ما يجول في سريرة صاحبه,, لكنهما يظلان صامتين ولا يكادان
يبوحان بما يحسانه ويشعران به
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته
واصبح في ليل من الشك مظلم
اصادق نفس المرء من قبل فعله
وأعرفها في فعله والتكلم
لمن تطلب الدنيا اذا لم ترد بها
سرور محب او اساءة مجرم
ولو كنت أدري كم حياتي قسمتها
وصيّرت ثلثيها انتظارك فاعلم
ولكن ما يمضي من الدهر فائت
فجد لي بحظ البادر المتغنم
رضيت بما ترضى به لي محبة
وقدت إليك النفس قود المسلم
ومثلك من كان الوسيط فؤاده
فكلّمه عني ولم أتكلم
ويتفكر المتنبي طويلا في حال نفسه,, ويمر حول على اقامته بمصر,, لم يبلغ فيها حاجته,, ولم يظفر من الدنيا بشيء من آماله,, وكان المتنبي قد جاوز الاربعين
من عمره,, ويشعر المتنبي انه طلب من الدنيا شيئا صعبا,, ويحس انه كلف نفسه هما بعيدا,,, والمتنبي كما رأينا لا يكاد ينظم قصيدة إلا وفيها حديث عن
النفس,, فهو شقي بهمة نفسه,, وهو شقي بمن يمدحه وهو ايضا شقي في هذه الحياة لأنه يمدح,, ويضفي صفات المدح على من لا يحبه في سريرته أصلا
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
وأعجب من ذا الهجر,, والوصل أعجب
أما تغلط الأيام فيّ بأن أرى
بغيضا تناءى,, او حبيبا تقرب
لحى الله ذي الدنيا مناخا لراكب
فكل بعيد الهم فيها معذب
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة
فلا اشتكي فيها,, ولا اتعتب
وبي ما يذود الشعر عني أقله
ولكن قلبي يا ابنة القوم قلّب
إذا ترك الإنسان أهلا وراءه
ويمم كافورا,, فما يتغرب
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله
فإني أغني منذ حين وتشرب
وهبتَ على مقدار كفي زماننا
ونفسي على مقدارك كفيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية
فجودك يكسوني وشغلك يسلب
والحق ان كافور كان في شغل شاغل عن المتنبي والحق ايضا ان المتنبي كان مقسم الهوى مشتت الهم فهو لأجل حاجته مطالب بمدح كافور,, لكن الاشواق في نفسه تنازعه
الى احبته الذين فارقهم في العراق وفي الشام
بم التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن؟
وهو ايضا يعد العدة ويتحين الفرصة لمغادرة سجن كافور هذا السجن الذي احكم كافور صنعه
فأمسك لا يطال له فيرعى
ولا هو في العليق ولا اللّجام
بيد ان المتنبي استطاع بحيلة او بأخرى ان ينطلق من هذا الاسار وان يغادر مصر,, لا يلوي على شيء إلا على معانقة الحرية ورؤية بلده الكوفة بعد أن حال سجن
كافور بينه وبينها خمس سنوات هي في عمر الشاعر خمسون عاما او يزيد,, فقال حين وروده الكوفة مفتخرا بنفسه, وهاجيا كافور الأسود
لتعلم مصر ومن بالعراق
ومن بالعواصم اني الفتى
واني وفيت واني أبيت
وأني عتوت على من عتا
وما كل من قال قولا وفى
ولا كل من سيم خسفا أبى
ومن يك قلب كقلبي له
يشق إلى العز قلب القوى
وبماذا بمصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكا
بها نبطي من اهل السواد
يدرس أنساب أهل الفلا
وأسود مشفره نصفه
يقال له أنت بدر الدجى
ونقرأ للشاعر بعد ذلك مقطوعات مختلفة يذم فيها كافورا ويهجوه وهي تنبي عن مدى الغيظ الذي ملأ قلب الشاعر فكتمه طيلة إقامته في قصر كافور الذي كان في
الحقيقة سجنا لا قصرا,,
وتبقى من حياة المتنبي ثلاث سنوات او اربع قبل مقتله قضاها متنقلا من ممدوح إلى آخر,, ومن بلد الى بلد لا يكاد يستقر ببلدة إلا ويحث راحلته الى بلدة اخرى,,
وسنقف قليلا,, بل سنمر سريعا بقصيدتين من قصائد الشاعر قالهما في الطور الاخير من حياته:
الأولى: نونية يمدح بها عضد الدولة ويذكر في طريقه اليه شعب بوّان وهو يتجول بين الممالك الإسلامية وقد تغلغل الاعاجم في هذه الممالك حتى غلبت لهجتهم على
لهجة العربي الأصيل فيها
مغاني الشعب طيبا في المغاني
بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان
ومن بالشعب أحوج من حمام
إذا غنى وناح الى البيان
إذا غنى الحمام الورق فيها
أجابته أغانيّ القيان
إن الشاعر هنا يصف مدى غربته وهو في وطنه العربي الذي يسير وهو الآن على مقربة من دمشق,,
إذن الشاعر يصف واقعا لا حيلة له في صنعه ولا يد له في خلقه,, وإنما هو هوان حكام العصر وتخاذلهم عن حفظ ملك آبائهم واجدادهم,,
أما القصيدة الاخرى,, فهي القصيدة البائية التي كانت سببا في نهاية الشاعر,, نهاية مأساوية,, ولا شك بأننا ننكر على الشاعر ان تصدر عنه هذه الابيات,, ليس
لأنه لم يقل هجاءً قط بالعكس فما اكثر الهجاء في ديوانه,, لكن ننكر عليه اسلوبه في الهجاء,, فما كان لمثل المتنبي في أنفته وترفعه عن سفاسف الالفاظ ان
ينحدر الى مجاراة ابناء عصره في ألفاظهم السوقية وأحاديثهم المبتذلة,,
وليس عندي من تفسير لطبيعة هذه القصيدة إلا رغبة الشاعر في النزول الى مستوى عصره ومخاطبة أهله على قدر سلوكه وتفكيره وهمته,
وستظل هذه القصيدة نكتة سوداء في ديوان الشاعر الكبير ولكنها على اي حال هي قصيدة ضمن قصائده الباقية تصف صاحبها كما شاء هو لشعره ان يكون صورة صادقة
لشخصيته وحياته,, وهذه هي المعادلة الصعبة التي نجح المتنبي وتفرد فيها وجعلته مع شعره خالدا يملأ الدنيا ويشغل في كل عصر وفي كل مصر
ما أنصف القوم ضبّه
وأمه الطرطبه
إن اوحشتك المعالي
فإنها دار غربه
او انستك المخازي
فإنها لك نسبه
وإن عرفت مرادي
تكشفت عنك كربه
وإن جهلت مرادي
فإنه بك اشبه
وفي القصيدة هذه ما لا يليق بنا ذكره واثباته,, لكنها على أي حال هي مثبتة في الديوان لمن شاء ان يرضي فضوله فيطلع عليها وبعد,,, فقد رأينا المتنبي صاحب
غاية,, كان دأبه ان يبذل الوسائل لبلوغها,, ويقتحم المخاطر لتحقيقها,, ولم تكن هذه الغاية واضحة في ذهن الشاعر يوم ان كان صبيا حتى دخوله السجن,, وحتى بعد
خروجه من السجن ظل فترة قصيرة غير حفي بتحقيق هذه الغاية,, لكن نفسه الكبيرة لم تستطب هذا اللون من العيش,, ولم يقنع خلال هذه الفترة من عمره بعيد خروجه
من السجن بمدح الأمراء او الكتّاب الصغار إذ رآهم غير خليقين بنوال شعره العظيم وكان خلالها يفرغ الى نفسه ويتأمل واقعه فيجدّ في بذل الأسباب وتهيئة
الوسائل لتحقيق الغاية وبلوغ الأمنية,, التي تتراءى له في خياله,, وهي ليست ببعيدة المنال عليه,, وماذا ينقصه؟ لقد بلغ الغاية في مملكة الشعر والبيان,
ولمن يقرأ الديوان سيجد التعبير الذي يدل على صاحبه وانه ما ترك طريقا يوصله الى تجويد هذا الفن الا سلكه فلغة الشاعر قوية,, وسبكه أقوى,, والمثيرات التي
تدفعه الى قول الشعر كان يندفع اليها اندفاعا,, لذلك نراه ما ترك خاطرا بذهنه ولا طائفا طاف بفكره الا نظمه في شعره بأسلوب مؤثر محكم,,
ولم يكن ينقص المتنبي الاحساس المرهف او العاطفة الملتهبة وهو الى ذلك ذكي فطن,, فهو شقي بفطنته لأنه يخلو من الهم اخلاهم من الفطن كما يقول في احدى
قصائده,,
وهو ايضا ذكي يعذبه هذا الذكاء,, وهذا التفكير المستمر والعقل صنو الشقاء كما قال
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وان تكن تلك الغاية التي أرادها الشاعر قد انطفأ بريقها ولم تظهر في شعره يوم كان ملازما لسيف الدولة الحمداني فما اظنها خبت في نفسه,, وإنما كان يحترم
سيف الدولة ويحبه,, ولا يريد ان يتعالى عليه بمطلبه الذي يريد وانفجر الشاعر معلنا عن هذه الرغبة يوم ان كان في مصر بقرب واليها كافور,, وهو لا يريد من
هذا الوالي سوى مساعدته في تحقيق غايته,, لذا فسرعان ما رأيناه يعود بالهجاء على كافور كأشد ما يكون الهجاء,, وقد لمح الشاعر بحدسه ان الاسود حال بينه
وبين ما يريد,,
بعدها عاش الشاعر حياته كالمشرد,, متنقلا بين البلدان لا يكاد يرى احدا في اهل الارض يبلغه حاجته او يمهد له السبيل لبلوغها,
نعم,, لقد عاش المتنبي القلق طوال حياته,, وما نظن التاريخ حفل باسم شاعر آخر بلغ هذه الدرجة من القلق,, ولكن لو لا هذا القلق الدائم الذي لازم شاعرنا ما
كان هذا السفر الضخم وهذا الشعر الطويل العريض,
إن من يستطيب حياة الدعة,, ويدعوه الكسل وحب السلامة الى القعود هو انسان عاجز لا يمكن ان يشارك في صنع الحياة,, ولا يمكن ان يقدم لاجيال التاريخ عصارة
فكره وطبيعة رؤيته للوجود,,
لفت المتنبي انظار الآخرين,, ولهذا شغل الناس وكسب اعجابهم قبل اشفاقهم عليه,,
وان كان يستحق الشفقة فلأنه اراد ان يخالف سنة الحياة وان يحصل على ما لم يكتب له,, ولكن حسبه أنه كان طموحا عظيما في نفسه,, وفي فنه,, كان شاهدا على عصره
وعلى اهل زمانه,, فهو اشبه ما يكون بالشريط الوثائقي,, بل ان ديوانه هو الشريط الوثائقي الذي نعود اليه كلما دفعتنا الحاجة لمعرفة طبيعة ذلك العصر الواقع
بين عام 303 و354 وهي المدة التي ولد فيها المتنبي ثم عاشها ومات بعد ذلك,
ان هذه الاسطر السالفة لم تكن تمجيدا ولا مدحا خاصا بالمتنبي لأنه ليس بحاجة الى شيء من ذلك,, ولكنها خطرات حاولت من خلالها ان أقرأ حياة شاعر عربي من
خلال شعره,
وما أقل الشعر الذي يعرب عن صاحبه وما أكثر الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون,,
عندما قررت ان ابدأ الرحلة مع هذا الديوان وصاحبه قررت ان لا اعتمد على ما وقر بذهني مما قرأته او سمعته فكونته عن الشاعر وشعره,
وكنت قد قرأت - في فترات متفرقة من حياتي - ما كتبه التراثيون الاوائل في هذا الشأن كالجرجاني وابن جني والحاتمي والمعري وقرأت ايضا ما كتبه الحدثون
امثال شفيق صبري وطه حسين والبازجي والعقاد وغيرهم,,, كما انني لم احاول ان اثير قضايا اختصم فيها الباحثون وتفرقوا حولها تمس حياة الشاعر او شعره كقضية
النبوة,, وهل ادعاها الشاعر فعلا، أم انها تهمة الصقت به؟ وتجاهلت الخوض في نسب المتنبي,, ولم اشأ ان اتحدث عن قرمطية الشاعر او علويته,, ولم استرسل في
الحديث عما دار في مجلس سيف الدولة بين الشاعر وخصومه كأبي فراس وابن خالويه,,
كل هذه المسائل ضربت عنها صفحا واعرضت عنها اعراضا وغاية ما فعلت انني تناولت الديوان بأحد شروحه البسيطة ورحت اقرأه قراءة المتذوق الذي يرحل مع صاحب
الديوان يوما بيوم وخطوة بخطوة وقصيدة بقصيدة حتى وصل الى النهاية ناقلا ما احسه بشعوره وما لمسه بذوقه الذاتي الخاص وسيكون لي عودة لا شك الى المتنبي
وديوانه وسأترك موعد هذه العودة تحددها الايام وتفرضها الظروف,, على ان الشيء الأكيد انني كنت وما ازال مشغولا بأمر المتنبي وشعره يغريني فيه هذه القضايا
المتعددة والمثارة حوله والتي اختلف الناس وتخاصموا فيها مما وهب شاعرنا الخلود كما لم يهب لشاعر غيره,
إنما أنفس الانيس سباع
يتفارسن جهرة واغتيالا
من أطاق التماس شيء غلابا
واغتصابا لم يلتمسه نوالا
كل غاد لحاجة يتمنى
ان يكون الغضنفر الرّئبالا