صياح الدجاجات يشجينا
،، في مقولة شهيرة لالميداني بكتابه مجمع الأمثال :
إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فلتذبح ،
يبدو ان التاريخ لم ينصف شعر المرأة والا لماذا يقول الميداني هذه المقولة والتراث العربي يعج بالشاعرات المجيدات، والطريف ان الفرزدق اعد هذا المعنى في
رده وتعليقه على اشعار احدى الشاعرات في عصره،
بداية نزعم بوجود الفروق الملموسة في صيحات (أشعار) الدجاجات عنه من صياح الديك،، لكنها ايضا الفروق الانسانية التي كانت وستبقى بين وجهات النظر والتناول
من شاعر الى آخر، ومن رجل الى امرأة حتى الآن، ولسنا بصدد الدفاع او الهجوم على تلك القضية (قضية شاعرية المرأة العربية) لكننا ننتهز الفرصة ونسعى للولوج
الى دواخل عقل ووجدان المرأة العربية (في التراث)،،
ان قائمة الشاعرات العربيات قديماً ممتلئة بالأسماء ومن المؤكد بتلك الشخصيات النسائية التي كانت لها مكانتها المرموقة سواء قبل الاسلام او بعده بين
الجماعات والقبائل العربية مع الاحتفاظ بكل الخصائص الاجتماعية والبيئية في الفترتين وهي ما اوردها د، محمد عناني في احد كتبه تفصيلا،، نذكر منها:
شاعرات قبل الاسلام (الجاهلية):،
صفية بنت ثعلبة الشيبانية، الحرقة هند بنت النعمان، ام ابي جدابة، هند بنت بياضة الأيادية، زوجة قراد بن أجدع، البسوس البكرية، سليمى بنت المهلهل، سمية
خالة عنترة، عنز او زرقاء اليمامة، ام الفضل الهلالية، خولة اخت حسان بن ثابت، هند ام معاوية بن ابي سفيان،، الخ،
شاعرات بعد الاسلام:
ليلى الاخيلية، رابعة العدوية، زوجة ابي الأسود الدؤلي، ميسون بنت بجدل، ابنة عقيل بن ابي طالب، زينب بنت العوام، بنت لبيد الشاعر، أم الأسود الكلابية،
زوجة الوليد، حفصة بنت الحاج الركونية، ولادة بنت المستكفي، خديجة بنت المأمون، علية بنت المهدي، واخت الرشيد،، الخ،
والآن ترى هل نطالع اشعارهن (بعضها) من خلال الغرض الشعري، اما التزاما بالمنهج التاريخي وملاحقة ما كتب حسب زمنه ومكانه ام نعتمد على الاختيار العشوائي
او حسبما نظن انه الأجود،، ام ماذا؟!،
اظن ان مطالعة اشعار الدجاجات في ضوء الاغراض الشعرية المختلفة ربما الاكثر موضوعية للاطلاع على هموم المرأة العربية وعما حفزها لكتابة الشعر،، وان
اختلفت او اتفقت في ذلك مع الشعراء من الرجال،
فالقارىء المتعجل سيجد الاغراض الكثيرة التي كتبت فيها المرأة العربية، والدارس يجد انها كانت كماً وكيفاً - ربما - افضل من الرجل في التعبير عن بعض
الاغراض مع خصوصية في التعبير باستخدام اوليات البناء الشعري بعامة،
لتكن الاطلالة الاولى الى الاغراض التي كتبت فيها الشاعرة العربية قبل الاسلام وبعده ،، الاغراض الحربية والحماسية وربما القومية كما فعلت الحجيجة مع هند
بنت النعمان عندما اجارتها وقامت الى قومها لمواجهة كسرى وجيوشه في واقعة اسر هند الشهيرة، كما لزرقاء اليمامة قصيدة شهيرة تحذر فيها قومها من عدوهم
المختبىء وراء الاشجار (وقد عرف عنها حدة البصر)،،
تقول عنز أو زرقاء اليمامة وهي تحذر قومها:
خذوا حذاركم يا قوم ينفعكم
فليس ما قد ارى بالأمر يحتقر
اني ارى شجرا من خلفها بشر
وكيف تجتمع الاشجار والبشر؟
ثوروا بأجمعكم في وجه اولهم
فان ذلك منكم فاعلموا ظفر
ضموا طوائفكم من قبل داهية
من الامور التي تخشى وتنتظر
فقد زجرت سنيح القوم باكرة
لو كان يعلم ذاك القوم اذ بكروا
اني ارى رجلا في كفه كتف
او يخصف النعل خصفا ليس يعتسر
فغوروا كل ماء قبل ثالثة
فليس من بعده ورد ولا صدر
وعاجلوا القوم عند الليل اذ رقدوا
ولا تخافوا لهم حربا وان كثروا
وغوروا كل ماء دون منزلهم
فليس من دونه نحس ولا ضرر
وفي نموذج آخر للحماسة، هو مزيج خاص من التجربة الخاصة والعامة، والتي لا تخص الا المرأة كتجربة انسانية من جانب وفي الآن نفسه تجربة عامة تخص العرب في
مقابل كسرى وجنوده فقد طلب كسرى ان يتزوج هند بنت النعمان بن المنذر رفض الأب العربي وهو ما اثار حمية ملك الفرس وارسل جنوده للفتك بالنعمان، هربت هند
الى البوادي حتى وصلت بني سنان وهناك بلغها ان كسرى ارسل جندا الى بكر بن وائل،، فارسلت هند الى بكر بهذه الابيات تحذره قائلة:
الا ابلغ بني بكر رسولاً
فقد جد النفير بعنقفير
فليت الجيش كلهم فداكم
ونفسي والسرير وذا السرير
كأني حين جدبهم اليكم
مغلقة الذوائب بالعبير
فلو اني اطلقت لذاك دفعاً
اذا لدفعته بدمي وزيري
فأرسل كسرى بعض الرجال الصوائح يحذر فيها العرب الذين يؤون الحرقة او هند وهو ما جعل البعض يتخاذل ويخشى المواجهة مع كسرى فما كان من هند الا انها اعلنت
اسفها على خمود همة العرب وتخاذلهم وقالت في ذلك الكثير منها تلك الأبيات:
لم يبق في كل القبائل مطمع
لي في الجوار فقتل نفسي أعود
ما كنت احسب والحوادث جمة
اني اموت ولم يعدني العود
حتى رأيت على جراية مولدي
ملكاً يزول وشمله يتبدد
فذهبت بالنعمان اعظم دهية
ورجعت من بعد السميذع اطرد
وغشيت كل العرب حتى لم أجد
ذا مرة حسن الحفيظة يوجد
ورجعت في اضمار نفسي كي امت
عطشاً وجوعاً حره يتوقد
ولما اجارتها الحجيجة وهي صفية الشيبانية وحاربت قومها كسرى وجنوده فهزموهم مراراً حتى قرر الملك ان يقود جيشه بنفسه وكانت اهم المواقع الحربية واشهرها
وهي واقعة ذي قار فكان على رأس الجيش العربي عمرو بن ثعلبة اخو صفية فقالت له هند توصيه:
حافظ على الحسب النفيس الأرفع
بمدججين مع الرماح الشرع
وصوارم هندية مصقولة
بسواعد موصولة لم تمنع
يا عمرو يا عمرو الكفاح لدى الوغى
يا ليث غاب في اجتماع المجمع
وبعد انتصار عمرو والعرب في المعركة قالت هند :
رغمنا بعمرو أنف كسرى وجنده
وما كان مرغوماً بكل القبائل
وهذا قصارى الأمر فاحمل محسرا
لكميك ما بين الظبا والذوابل
تطول القصيدة ويطول الحديث مع هند ليتضح ان الشاعرة لم تكن الا صوتاً صادقاً معبراً عن كل قيم المجتمع ومحفزة على رعايته وصون كرامته،، وان كان ذلك من
خلال تجربة تبدو خاصة وشخصية!!،
وان نجحت هند في اشعال الحرب بين العرب والفرس رداً وحفاظاً على الكرامة فها هي ذي شاعرة اخرى تنجح في اشعال الحرب لأربعين سنة!!،
فقد نزل سعد ضيفا، وذهبت ناقته ترعى في حمى كليب بن وائل فانفذ كليب سهمه في ضرعها ولما رجعت الى فناء البسوس البسوس ابنة منقذ البكرية قالت تحرض
جساساً بن مرة (وهي خالته):،
لعمرك لو اصبحت في دار منفذ
لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي
ولكنني اصبحت في دار غربة
متى يَعدُ فيها الذئب بعد على شاتي
فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل
فانك في قوم عن الجار اموات
وسر نحو جرم ان جرما اعزة
ولا تك فيهم لاهيا بين نسوات
فأصابت كلماتها الهدف ونتج عن ذلك ان قتل كليباً ونشبت الحرب بين بكر وتغلب التي دامت لأربعين سنة كاملة!!،
وفي الرثاء كانت الشاعرة العربية مجيدة مصيبة دوما، ربما يرجع ذلك الى كونها امرأة متأججة العواطف خصوصاً ان ما يميز رثاء المرأة العربية انه ليس رثاء
عاما (ان صح التعبير) بل هو رثاء الأب والولد، الاخ والقريب،، ونادرا ان يكون غير ذلك (على عكس رثاء الشاعر الرجل الذي قد يرثي ملكاً او حاكماً او حتى
شهيراً لا يعرفه بشخصه وان عرفه لعلمه او لمكانته:
هذه سعدى بنت الشمردل الجهنية ترثي اخاها اسعد بن الشمردل:
أمن الحوادث والمنون اروع
وابيت ليلي كله لا اهجع
وابيت مجلبة ابكي اسعداً
ولمثله تبكي العيون وتهمع
وتبين العين الطليخة أنها
تبكي من الجزع الدخيل وتدمع
ولقد بدا لي قبل فيما قد مضى
وعلمت ذاك لو ان علما ينفع
وهذه الخزنق بنت بدر اخت طرفة بن العبد ترثي زوجها (بشر بن عمرو)،،
ألا لا تفخرن اسد علينا
بيوم كان حيناً في الكتاب
فقد قطعت رؤوس من قعين
وقد نقعت صدور من شراب
وارد بنا ابن حسحاس فاضحى
تجول بشلوه نجس الكلاب
كما رثت اميمة بنت عبد المطلب اباها (بطلب منه قبل وفاته):،
الا هلك الراعي العشيرة ذو الفقد
وساقى الحجيج والمحامي عن المجد
ومن يألف الضيف الغريب بيوته
اذا ما سماء الناس تبخل بالرعد
كسبت وليداً خير ما يكسب الفتى
فلم تنفكك تزداد يا شيبة الحمد
أما عاتكة بنت زيد اخت سعيد بن زيد (احد العشرة المبشرين بالجنة) فقد قالت ترثي عبد الله بن ابي بكر الصديق وقد قتل عنها في الطائف تقول:
فلله عينا من رأى مثله فتى
اكر واحمي في الهياج واصبرا
اذا اشرعت فيه الأسنة خاضها
الى الموت حتى يترك الرمح احمرا
وآليت لا تنفك عيني حزينة
عليك ولا ينفك جلدي اغبرا
مدى الدهر ما غنت حمامة ايكة
وما طرد الليل الصباح المنورا
قد تصادفنا قصيدة هنا او هناك لشاعرة ترثي لغير ذي قربى،، لابن او زوج او اب او غيرهم، لكنها الملاحظة اللافتة ان يغلب على رثاء الشاعرة العربية الرثاء
لذي القربى،
لم يكن غرض الكتابة في الحماسة والرثاء وحدهما هما هم الشاعرة العربية،، وان كثرت الكتابة فيهما، لكن الحقيقة تتجلى للمطلع على التراث العربي ان الشاعرة
العربية كتبت في الكثير من الاغراض الشعرية المعتادة في زمنها في الفخر والحكمةوفي مكارم الاخلاق وفي الذات الالهية كما قالت رابعة العدوية،
وسوف نتخير بعض تلك النماذج من الاغراض المختلفة تلك التي تكشف عن شاعرية متوقدة ودور لا ينكر لمكانة الشاعرة العربية في التراث:
قالت: هند بنت الخس في الفضيلة والحكمة:
وجدت وخير القول في الحكم نافع
ذوي الطول مما قد يغم ويلبس
وليس الفتى عندي بشيء اعده
اذ كان ذا مال من العقل مفلس
وذو الجبن مما يسعر الحرب نفحه
يهيج منها نارها ثم يخنس
قالت: الخزنق بنت بدر اخت طرفة بن العبد في الفخر بزوجها،،
لقد علمت جديلة ان بشرا
غداة مربح مر التقاضي
غداة اتاهم بالخيل شعثا
بدق نسورها حد القضاض
عليها كل اصيد تغلبي
كريم مركب الحدين ماض
بأيديهم صوارم مرهفات
جلاها القين خالصة البياض
قالت صفية بنت عبد المطلب تفخر على قريش ،،
الا من مبلغ عنى قريشاً
ففيم الأمر فينا والامارة
لنا السلف المقدم قد علمتم
ولم توقد لنا بالغدر نار
وكل مناقب الخيرات فينا
وبعض الأمر منقصة وعار
قالت ليلى الاخيلية تلك الشاعرة الجميلة التي كتب فيها الشعر وكتبت في حب توبة بن الخمير الخفاجي فكان في غرض العشق والحب قولها:
فتى لم يزل يزداد خيرا لدن مشى
الى ان علاه الشيب فوق المسايح
تراه اذا ما الموت حل بورده
ضروباً على اقرانه بالصفائح
لنعم الفتى يا توب كنت ولم تكن
لتسبق يوماً كنت منه توائل
قالت رابعة العدوية في العشق الالهي:
اني جعلتك في الفؤاد محدثي
وابحت جسمي من اراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس
وحبيب قلبي في الفؤاد انيسي
تكثر اذن الاغراض وتتنوع وتكشف عن صدق شاعرية الشاعرة العربية لتبقى لبصمتها الفنية واثرها الباقي جيلاً بعد جيل وما زالت وللشاعرات المحدثات حديث آخر!!،
السيد نجم


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved