د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
لم تعد الشراكة بين البلدين محكومة بالملفات التقليدية التي طالما شكلت أساس العلاقة، بل باتت تتحرك على مساحة أوسع تجمع الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدفاع والثقافة، وأكثر من ذلك فرنسا شريك أساسي للسعودية في تحشيد العالم للضغط على إسرائيل لإقامة دولة فلسطينية لإنهاء الصراع في المنطقة التي تتغذى عليه مشاريع إقليمية وعالمية، ويتغذى عليها الإرهاب، مع تصاعد توسيع المستوطنات وآخرها خطة إي1 التي من شأنها تفصل الضفة الغربية إلى قسمين وأن تحول دون قيام دولة فلسطينية، الأمر الذي عملت باريس والرياض إلى وضعه مجددا على الخريطة الدولية بمبادرتهما المشتركة في الأمم المتحدة، في سبتمبر 2025.
إذا تحمل زيارة الدولة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان رئيس مجلس الوزراء، دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي، تأتي في توقيت يختبر فيه البلدان قدرة الشراكة التي جرى بناؤها في السنوات الماضية، على الانتقال من مستوى التفاهمات والاتفاقيات إلى مشروعات ذات أثر مباشر، في مسار التحول الذي تشهده المنطقة.
تود السعودية تفعيل المجلس الذي أنشئ في أعقاب زيارة الرئيس ماكرون إلى السعودية نهاية عام 2024 حيث تتقاطع أولويات السعودية مع أولويات فرنسا، خصوصا وأن السعودية توسع اقتصادها خارج القطاعات التقليدية، وتبحث عن تقنيات متقدمة وخبرات صناعية قادرة على دعم قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والطاقة الجديدة، وتنظر فرنسا إلى السوق السعودية ليس مجرد سوق للمنتجات بل ساحة نمو جديدة ومشروعات عملاقة تود فرنسا أن المشاركة في هذه المشروعات.
لا تنفصل الشراكة الاقتصادية عن السياق السياسي، فالسعودية تمتلك وزنا سياسيا واقتصاديا متزايدا في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، بل والعالمي من خلال قيادتها لملف الطاقة، ومؤخرا اتفاق مكة الذي أفضى إلى قيام تحالف دفاعي ثلاثي، والمبادرة الثانية تمثلت في إطلاق تحالف بحري لضمان الإبحار الآمن عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بينما تتمتع فرنسا بعضوية دائمة في مجلس الأمن، وحضور قيادي في الاتحاد الأوروبي، وقدرة على التحرك في ملفات عديدة، وتشارك فرنسا في المبادرة الأوروبية أسبيدس مهمتها حماية أمن الملاحة في البحر الأحمر، تجاوزت العلاقات الثنائية إلى معالجة ملفات إقليمية في القضية الفلسطينية ولبنان وسوريا وأمن الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر، وللسعودية دور مركزي تلعبه على صعيد المسارات البديلة لإيصال النفط إلى الأسواق العالمية، وهو ملف يتقاطع فيه الاقتصادي بالإستراتيجي.
تمضي العلاقات بين السعودية وفرنسا نحو مرحلة جديدة من الشراكة الإستراتيجية الشاملة، مستندة إلى إرث تاريخي يمتد لنحو قرن من الزمن، تعود إلى 1926 عندما أوفدت فرنسا قنصلا مكلفا بالأعمال لدى السعودية، وتحظى العلاقة بأهمية خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
دخلت العلاقات السعودية - الفرنسية مرحلة مهمة عقب زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز إلى فرنسا عام 1967 ولقائه بالرئيس شارل ديغول، وفي 1977 شهدت العلاقات نقلة جديدة عندما زار أول رئيس فرنسي السعودية فاليري ديسكار عززه خطاب تاريخي للرئيس الفرنسي عندما أشاد بالسعودية بوصفها قوة عالمية، توالت الزيارات المتبادلة بين البلدين، عززت السعودية وفرنسا تعاونهما في قطاع الطاقة في يناير 2008 واتسعت العلاقات بين الجانبين في مجالات عدة.
شكلت الفترة 2018 و2019 محطة مهمة في مسار التعاون السعودي - الفرنسي في العلا، وانطلق مشروع العلا السياحي، وإطلاق مؤسسة فيلا الحجر كأول مركز ثقافي سعودي - فرنسي مشترك في العلا، ليكون منصة للإبداع والفنون البصرية والتبادل الفني، في إطار هذا التعاون سلط معرض العلا واحة العجائب في الجزيرة العربية الذي أقيم في معهد العالم العربي بباريس الضوء على الكنوز الثقافية للسعودية في أكتوبر 2019، وكانت باريس قد استضافت في أكتوبر 2022 أول حفل موسيقي للفرقة الوطنية السعودية للموسيقى والكورال خارج السعودية تحت عنوان روائع الموسيقى السعودية، بمشاركة الأوركسترا الفلهارمونية الملكية الفرنسية على مسرح شاتليه.
وفي يوليو 2026 أصبحت باريس أول مدينة تستضيف كأس العالم للرياضيات الإلكترونية خارج الرياض، في خطوة تعزز طموح مؤسسة كأس العالم للرياضيات الإلكترونية لتدوير استضافة البطولة بين مدن عالمية على المدى الطويل.
لم تتوقف العلاقة بين البلدين عند هذا الحد، بل التزم البلدان بخطة عمل مشتركة للفترة 2023-2028 تركز على الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية الخضراء، وتحفيز التنمية في قطاعات السياحة والرياضة والترفيه.
على مدى 100 عام من العلاقات بين البلدين اعتبر الجانبان كل منهما حليفا موثوقا للآخر، لما للسعودية من دور محوري في دعم السلام والاستقرار في المنطقة والعالم.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا