د.عبدالرحمن الحبيب
رغم الوضع العالمي المشحون بالصراعات والأزمات والتضخم المستمر، تلوح في الأفق أخبار تبعث على التفاؤل، إذ انخفض معدل الجوع العالمي للعام الثالث على التوالي، ومن المتوقع استمرار هذا الاتجاه.
هذا ما أظهره تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية بالعالم 2026» من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) الذي صدر الشهر الماضي، بأن عدد الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية في العالم انخفض عما كان عليه أثناء وما بعد جائحة كورونا من 688 مليوناً عام 2022، إلى 659 مليوناً عام 2024، ثم إلى 645 مليوناً عام 2025 (7.7 في المائة من سكان العالم)؛ رغم أنه لا يزال أعلى بكثير من مستوى ما قبل الجائحة البالغ 548 مليوناً عام 2017، إلا أن الاتجاه يبقى مُشجعًا.
ثمة اتجاه مُشجع آخر، فرغم الارتفاع المطرد في تكلفة النظام الغذائي الصحي في معظم أنحاء العالم خلال العقد الماضي؛ فإن النسبة العالمية للأشخاص غير القادرين على الغذاء الصحي تراجعت تدريجياً من 41 في المائة عام 2017 إلى 32.7 في المائة عام 2025، حسب التقرير.
كيف يُمكن تفسير هذا التحسن، رغم ارتفاع عدد النزاعات بين الدول إلى مستوى قياسي بلغ 65 نزاعًا العام الماضي، وهو أعلى رقم منذ عام 1945، وفقاً لكومفورت إيرو، الرئيسة والمديرة التنفيذية لمجموعة الأزمات الدولية، تشير التقارير إلى أنه يعود إلى زيادة الإنتاجية الزراعية، والنمو الاقتصادي العام، وتوسع الحريات الاقتصادية، وكلها عوامل تخفف من الآثار السلبية للنزاعات والتضخم. فالتقدم في التقنيات الزراعية ساهم في رفع الإنتاجية وتحسين توزيع الغذاء، مما دعم استمرار توافر الإمدادات الغذائية العالمية الأساسية في مواجهة الأزمات الإقليمية.
أما الانتعاش الاقتصادي والنمو الواسع النطاق في المناطق النامية (وخاصة أجزاء من آسيا وأمريكا اللاتينية)، فقد أدى إلى زيادة دخل الأسر، مما مكّن المزيد من الناس من تلبية احتياجاتهم اليومية من السعرات الحرارية رغم ارتفاع الأسعار (صحيفة واشنطن بوست).
ومع ذلك، يحذر تقرير الفاو من وجود بعض العقبات، كالقصور في سلاسل القيمة، وفقدان وهدر الغذاء، وانخفاض الإنتاجية الزراعية في بعض المناطق. ومن العوامل المُفاقمة الأخرى حرب هذا العام بالشرق الأوسط، التي أدت إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية وإمدادات الأسمدة، مما قلل الإنتاج الزراعي ورفع أسعار المواد الغذائية.
وتتفاوت مناطق العالم في عدد الأشخاص الذين يعانون لتلبية احتياجاتهم الغذائية، إذ سجلت آسيا وأمريكا اللاتينية أكبر انخفاض، بينما ظل العدد ثابتاً في إفريقيا، حيث النزاعات والظروف المناخية القاسية وتقليص المساعدات أعاقت التقدم (الفاو).
لا يكفي ضمان تناول كميات كافية من الطاقة الغذائية (السعرات الحرارية)، بل من الضروري أيضًا أن يحصل الناس على نظام غذائي صحي: آمن ومتنوع ومغذٍّ بأسعار معقولة، كما يشير تقرير الفاو. ويكشف التقرير أن ارتفاع أسعار الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية - وخاصة تلك ذات المصادر الحيوانية والفواكه والخضراوات - يمثل ما يقرب من 70 في المائة من تكلفة النظام الغذائي الصحي.
من ناحية أخرى، تُعدّ الشكاوى شائعة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية حتى في الدول المتقدمة، لدرجة أن بعض الاقتصاديين يعتبرها «مقياسًا للاقتصاد الحقيقي» وفقاً لمجلة الإيكونيميست؛ ففي ألمانيا، أصبح الكباب رمزًا لارتفاع التكاليف؛ وفي كوريا الجنوبية، أصبح سعر الملفوف، المكون الرئيس للكيمتشي، رمزًا للتضخم؛ حتى أن الحكومة تحتفظ بمخزون من الملفوف يمكنها طرحه عند ارتفاع الأسعار. كما يستخدم باحثون اقتصاديون مؤشر «وجبات بيج ماك» لقياس القوة الشرائية.
يخلص التقرير إلى أنه لتحقيق هدف القضاء المستدام على الجوع، يتعين على صانعي السياسات تنفيذ تدخلات متعددة القطاعات، بدءًا من تحويل الدعم الزراعي نحو البستنة (الفواكه والخضار)، وصولًا إلى الاستثمار في تطوير سلاسل التخزين والتبريد والنقل.