رمضان جريدي العنزي
سنعيش في زمنٍ لن يشبه ما عرفناه من قبل، زمنٍ تتسارع فيه المعرفة كأنها تركض نحو المستقبل، وتولد فيه الاختراعات قبل أن نكاد نستوعب ما سبقها، ستتبدل الأشياء من حولنا بسرعة البرق؛ العمل، والتعليم، والطب، والسفر، والتجارة، وحتى تفاصيل الحياة الصغيرة التي ألفناها حتى حسبناها ثابتة لا تتغير، سيصبح الذكاء الاصطناعي رفيقًا دائمًا للإنسان، يقرأ احتياجاته، وينظم يومه، ويعينه في عمله، وربما يسبقه أحيانًا إلى ما يريد، وستصبح الآلات أكثر قدرة على التعلم، والمنازل أكثر ذكاءً، والمدن أكثر اتصالًا، والسيارات أكثر استقلالًا، والطب أكثر قدرة على اكتشاف المرض قبل أن يعلن عن نفسه، وسيتغير مفهوم العمل؛ فما كان يحتاج إلى ساعات طويلة قد يُنجز في دقائق، وما كان يتطلب أعدادًا كبيرة من البشر قد تتولاه آلة واحدة، وستنشأ مهن لم تخطر على بال أحد، وتختفي مهن أخرى كما اختفت أشياء كثيرة من ذاكرة الأجيال، وسيتغير التعليم أيضًا، فلن يكون المعلم وحده مصدر المعرفة، ولا الكتاب وحده مستودعها، بل ستصبح المعرفة حاضرة في كل وقت، قريبة من كل إنسان، ومهيأة له بحسب قدرته وحاجته وسرعته، وسيتغير الطب حتى يصبح أكثر قربًا من التنبؤ منه إلى الانتظار، فبدل أن ننتظر المرض حتى يظهر، ستسعى التقنيات الحديثة إلى اكتشاف بوادره قبل أن يطرق أبواب الجسد. أما السفر، فسوف تصبح المسافات أقل رهبة، والرحلات أكثر سرعة، والعالم أكثر قربًا، حتى تبدو مدن كانت بعيدة بالأمس وكأنها أحياء متجاورة في مدينة واحدة، لكن التغيير الأكبر، وربما الأخطر، لن يكون في الأجهزة ولا في الآلات، بل في الإنسان نفسه، ستتغير علاقاتنا الاجتماعية والعائلية، سنصبح أكثر قدرة على التواصل، لكن ليس بالضرورة أكثر قدرة على التقارب، قد نتحدث مع آلاف الأشخاص في لحظة واحدة، ثم نفتقد إنسانًا واحدًا نجلس إليه دون هاتف، ونسمعه دون استعجال، ويشعر بنا دون أن نشرح له، قد يصبح التواصل أسرع، لكن الود أبطأ، وقد تصبح الرسائل أكثر، لكن اللقاءات أقل، وقد تمتلئ الشاشات بالأصدقاء، بينما تفرغ بعض القلوب من الأنس، ستصبح المعلومة وفيرة إلى حد التخمة، لكن الحقيقة قد تصبح نادرة، وسيصبح الإنسان في حاجة إلى عقلٍ يميز، وبصيرةٍ لا تنخدع، وضميرٍ يعرف أين تقف الحقيقة وسط هذا الطوفان الهائل من الصور والأصوات والكلمات، وستصبح الخصوصية نفسها ثمنًا من أثمان التطور، فكلما عرفنا عن العالم أكثر، عرفالعالم عنا أكثر، وسيحدث شيء آخر بالغ الأهمية: سيتغير مفهوم الإنسان للوقت، ستختصر التقنية علينا ساعات من العمل، لكنها قد تسرق منا هدوء الساعات الباقية، ستنجز لنا الأشياء بسرعة مذهلة، ثم تجعلنا نطالب بالمزيد من السرعة، سنختصر الطريق، ثم نستعجل الوصول، سنملك وسائل أكثر للراحة، وربما نجد أنفسنا أقل راحة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد يأتي يوم يصبح فيه الإنسان قادرًا على الوصول إلى أي معلومة، والتحدث إلى أي شخص، والسفر إلى أي مكان، وإنجاز أعمال كانت تحتاج أيامًا في دقائق، ومع ذلك يظل يبحث عن السكينة، والطمأنينة، والوفاء، والصداقة الصادقة، ودفء العائلة، وصدق المشاعر، فالتكنولوجيا تستطيع أن تختصر المسافة بينك وبين إنسان بعيد، لكنها لا تستطيع أن تزرع المحبة في قلبه، وتستطيع أن تحفظ آلاف الصور، لكنها لا تستطيع أن تمنحك حنينًا صادقًا، وتستطيع أن تجيب عن ملايين الأسئلة، لكنها لا تستطيع أن تمنحك الحكمة في كل موقف.
وتستطيع أن تصنع لك عالمًا افتراضيًا بالغ الإتقان، لكنها لا تستطيع أن تمنحك دفء يدٍ صادقة في لحظة انكسار، ولهذا فإن أعظم تحديات المستقبل لن تكون في أن نلحق بالآلة، بل في ألا نفقد إنسانيتنا ونحن نركض خلفها، سيأتي زمنٌ تصبح فيه أشياء كثيرة كانت تبدو لنا خيالًا أمرًا عاديًا من تفاصيل الحياة، لكن وسط هذا الانفجار الهائل في العلم والاختراع، سيبقى الإنسان في حاجة إلى أشياء قديمة لا يستطيع أي اختراع أن يستبدلها، قلبٍ رحيم، وصديقٍ وفي، وأسرةٍ متماسكة، ووجهٍ نطمئن إليه، ومجلسٍ لا تحكمه شاشة، وكلمةٍ صادقة، ويدٍ تمتد لجبر خاطر، وروحٍ تعرف كيف تسكن حين تضج الدنيا، فالمستقبل سيمنحنا على الأرجح أدواتٍ أكثر، وسرعةً أكبر، ومعرفةً أوسع، وراحةً أعظم، لكن مسؤوليتنا نحن أن نحافظ على الشيء الذي لا ينبغي أن يتغير: أن نبقى بشرًا.. مهما أصبحت الآلات من حولنا أكثر ذكاءً.