رمضان جريدي العنزي
من أعجب ما أفرزته هذه الأزمنة أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يطلبون شرفَ الأثر، بل شهوةَ الظهور، ولم يعد همُّهم أن يُنجزوا الأعمال، وإنما أن تُلتقط لهم الصور وهم يؤدونها، وكأن الفضائل لم تعد تُقاس بميزان الإخلاص، وإنما بعدسات الكاميرات، ولا تُوزن بصدق النيات، وإنما بما تحصده من إعجابٍ وتصفيقٍ وإشادة، لقد استحال هوسُ الحضور عند بعض النفوس إلى داءٍ مستحكم، وإلى إدمانٍ لا يهدأ أواره، فلا يُبذل معروفٌ إلا ويُستدعى له المصور، ولا تُقام مبادرةٌ إلا وتسبقها فلاشات العدسات، ولا يُمدُّ للمحتاج يدُ عونٍ إلا بعد أن تُهيَّأ زوايا التصوير، حتى خُيِّل للناس أن الصورة أصبحت أهم من الفعل، وأن المشهد أسبق من الرسالة، وأن الضجيج أغلى من الأثر، وما أشدَّ بؤسَ النفس حين تستجدي قيمتها من عيون الناس، وتستمد مكانتها من كلمات المديح، حتى إذا انطفأت الأضواء، وخمد التصفيق، وأعرضت الجموع، شعرت بالفراغ، لأنها لم تبنِ مجدها على رصيدٍ من الصدق، وإنما على وهجٍ عابرٍ لا يلبث أن يخبو كما يخبو بريق البرق في جوف السحاب، وليس الذنب في الصورة، ولا في توثيق العمل، فذلك قد يكون بابًا إلى نشر الخير، وتحفيز الهمم، وإحياء القدوات، وإنما الذنب أن تتحول الصورة إلى غاية، وأن يُسخَّر العمل في خدمتها، وأن يصبح المعروف وسيلةً إلى الشهرة، لا الشهرة وسيلةً إلى المعروف، فحينئذٍ تُبدَّل الموازين، وتُقلَب المقاصد، ويُستعاض عن الإخلاص بزينة المشهد، وعن جوهر الفضيلة ببريق المظاهر، إن الرجال الذين يخلدهم التاريخ لم تصنعهم العدسات، ولم ترفعهم المنصات، وإنما رفعتهم المواقف، وأبقت ذكرهم المروءات، وحفرت أسماءهم في القلوب أعمالٌ لم تُرِد جزاءً من الناس ولا شكورًا، أما الذين عاشوا أسرى للأضواء، فقد انطفأ ذكرهم يوم انطفأت مصابيحها، لأنهم كانوا أبناء المشهد لا أبناء الرسالة، وما أقسى أن يتحول الإنسان إلى أسيرٍ لنظرات الآخرين، يقيس قدره بعدد المصفقين، ويزن منزلته بمقدار ما يقال فيه، فالنفوس الكبيرة تسمو عن استجداء الثناء، لأن عزها في إخلاصها، لا في ضجيج المادحين، وكرامتها في صدق عملها، لا في كثرة المتفرجين، فليعلم كلُّ من جعل الحضور غايته أن الأضواء لا تصنع مجدًا، وأن فلاشات الكاميرات لا تُقيم قامةً، وأن التصفيق مهما علا صوته يظل ريحًا عابرة، أما المجد الحق، فهو ذلك الذي يولد في صمت الإخلاص، وينمو في ميادين العمل، ويستقر في ضمير المان، حيث لا سلطان إلا للفضيلة، ولا بقاء إلا للأثر الصادق، ولا نتيجة فعلية ذات قيمة عالية إلا للإخلاص المبين، وما عدا ذلك مجرد وهج عابر سرعان ما ينطفئ، فطوبى لمن جعل رسالته أكبر من صورته، وأثره أبقى من حضوره، وإخلاصه أعظم من كل تصفيق وثناء وإشادة.