د.عبدالرحمن الحبيب
كان يُقال عن الفلسفة «أم العلوم» أو كما اعتبرها أرسطو بأنها الجذر الأساسي الذي تفرعت منه بقية العلوم، بل منحها البعض لقب «ملكة العلوم»، لكن أزيحت عن عرشها منذ زمن أمام هيمنة العلوم بمناهجها التجريبية والاستقرائية القادرة على تحقيق نتائج ملموسة؛ وتضاءلت الحاجة إلى الفلسفة؛ وبات يُنظر إليها كأهمية ثانوية وكترف فكري ورياضة عقلية، وبدا وكأن الزمن عفا عليها.
بيد أن الوضع تغيّر، حين تغلغل الذكاء الاصطناعي في حياتنا، وتفوق على العاملين في مجال المعرفة للإجابة على الأسئلة اليومية، إنما ثمة أسئلة كبرى ميدانها الفلسفة. فإذا كان العلم يقدم إجابات على أسئلة حول «كيف» يعمل العالم وقوانين الطبيعة، فإن الفلسفة تسعى إلى الإجابة على أسئلة حول «لماذا» في مسائل الغايات والقيم وما وراء الطبيعة.
كيف كان الوضع آنذاك، وكيف تحوَّل؟ كانت مكانة الفلسفة تتراجع باستمرار؛ على سبيل المثال، انخفض عدد شهادات الفلسفة التي تمنحها الجامعات الأمريكية من حوالي 8000 شهادة عام 2011 إلى أقل من 6000 شهادة عام 2024؛ بينما تضاعف هذا العدد في علوم الحاسوب إلى أكثر من 100000 شهادة.
في عام 2015، طلب وزير التعليم الياباني من جامعات البلاد اتخاذ «خطوات فعّالة لإلغاء» أقسام العلوم الاجتماعية والإنسانية «أو تحويلها إلى مجالات تخدم احتياجات المجتمع بشكل أفضل»، وفقاً لمجلة الإيكونيميست التي تشير أيضًا إلى أنه يمكنك دراسة الفلسفة في مؤسسة بريطانية، شريطة جمعها مع السياسة والاقتصاد بجامعة أكسفورد. إنما مع صعود الذكاء الاصطناعي ونماذجه الاستدلالية، وقدرته الفائقة على تقديم إجابات في مجال المعرفة، لكنها إجابات متنوعة متفاوتة في المجالات الأخلاقية والنفسية والفكرية - مما ولّد قلقًا وارتباكًا متزايدين - لم يعد العلم وحده قادرًا على تقديم إجابات شافية. لذا، برزت أهمية الفلسفة في تقديم طرائق تفكير ووجهات نظر مختلفة للحياة، ليُساعدنا على تجاوز الإشكالات المعرفية، وإدارة صعوباتها بفاعلية أفضل، وفهم أنفسنا بطريقة أعمق.
في هذه السنة، نشر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إحصاءات تُظهر أن خريجي الفلسفة الأمريكيين أكثر حظاً في الحصول على وظائف من نظرائهم الذين درسوا علوم الحاسوب؛ ففي عام 2024، وهو أحدث عام تتوفر عنه الإحصاءات، بلغت نسبة البطالة بين خريجي علوم الحاسوب 7%، مقابل 5.1% فقط بين خريجي الفلسفة.
حالياً، تستعين مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة (مثل جوجل، ديب مايند، انثروبيك) بخريجي الفلسفة كاستراتيجية تشغيلية لتحسين الأداء الفكري لنماذج الذكاء الاصطناعي، ومنع التحيز، وترجمة القيم الإنسانية المعقدة إلى برمجيات تتعامل مع المعضلات الأخلاقية، مستفيدين من قدرة المتخصصين بالفلسفة على التفكير النقدي والتحليل العقلاني (The Percolator، الإيكونيميست).
يمكن تفسير عودة الاهتمام بالفلسفة بعدة عوامل، منها الرغبة في فهم عالم رقمي واستهلاكي دائم التطور، مما جعل الفلسفة أداة مهمة لفهم ومناقشة المعضلات الأخلاقية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة (Reddit Philosophy).
علاوة على أن طفرة الذكاء الاصطناعي وتفوق الآلات في معالجة البيانات والمعلومات، لكن دون وعي، أبرزت الحاجة للفلسفة للإجابة عن تساؤلات الوعي، والضمير والأخلاق، والمعنى الإنساني؛ من أجل إمكانية تشكيل إطار أخلاقي للتعامل مع تحديات الحياة اليومية وتوسيع آفاق العقل.
وفي خضم التشتت الرقمي وتلاطم الأزمات المعاصرة، أشتد البحث عن أداة عملية لإدارة القلق والتوتر وتحقيق السلام الداخلي، لا سيما مع ظهور اهتمام بالفلسفة الرواقية التي تركز على إيجاد السكينة والعيش في وئام مع الطبيعة والعقل.
وأخيراً، الأبحاث العلمية بدورها أظهرت أن دراسة الفلسفة تعزز المرونة الذهنية من خلال تنمية التفكير النقدي والمنطقي، مما يجعلها مهارة مطلوبة لفهم تعقيدات العالم المعاصر.