رمضان جريدي العنزي
التواضع ليس كلمةً تُقال، ولا مظهراً يُتكلّف، ولا خفضاً للرأس أمام الناس طلباً للمديح والثناء، بل هو خُلُقٌ راسخ ينبع من نفسٍ أدركت حقيقتها، وعرفت قدرها، فلم تُصبها نشوة المنصب، ولم يُفسدها المال، ولم يُعْمِها الثناء، فالمتواضع لا يرى نفسه فوق أحد، ولا يتعامل مع الناس بموازين الجاه والمصلحة، بل يمنح الجميع قدراً من الاحترام يليق بإنسانيتهم وكرامتهم، والتواضع ليس ضعفاً كما يتوهم أصحاب النفوس المتعالية، بل هو قوةٌ أخلاقية لا يملكها إلا الكبار، فالضعيف يحتاج إلى الكِبر ليخفي نقصه، ويحتاج إلى التعالي ليستر هشاشته، ويحتاج إلى التفاخر ليقنع نفسه بما ليس فيه، أما الواثق من نفسه فلا يرى حاجةً إلى استعراض مكانته، ولا إلى تذكير الناس بمنصبه، ولا إلى فرض احترامه بالقوة، لأن قيمته الحقيقية تسبقه إلى القلوب قبل أن يتحدث عن نفسه، وما ارتفع إنسانٌ في سلّم المجد الحقيقي إلا ازداد تواضعاً، لأن العظماء يدركون أن ما وصلوا إليه لم يكن بقدرتهم وحدها، وأن فوق كل ذي علمٍ عليم، وفوق كل قويٍّ أقوى منه، وفوق كل صاحب فضلٍ من هو أكثر فضلاً، لذلك تراهم أكثر الناس ليناً في التعامل، وأبعدهم عن الاستعلاء، وأشدهم احتراماً للناس على اختلاف طبقاتهم ومواقعهم، أما المغرور فإنه يعيش أسيراً لصورةٍ صنعها لنفسه، يظن أنه أكبر من النقد، وأرفع من النصح، وأعلى من الناس منزلةً وقدراً، ينظر إلى الآخرين بعين الاحتقار، ويعاملهم بفوقيةٍ منفرة، ويحسب أن الكِبر يزيده هيبةً، بينما هو في الحقيقة يهدم مكانته بيده، فالهيبة لا تُبنى بالتعالي، والاحترام لا يُنتزع بالغرور، والمحبة لا تُشترى بالتكبر، إن المتواضع يكسب القلوب دون أن يطلبها، ويحظى بالاحترام دون أن يفرضه، ويترك أثراً جميلاً في النفوس دون أن يسعى إليه، فإذا حضر أحبه الناس، وإذا غاب ذكروه بخير، وإذا تحدث أنصتوا له، لا خوفاً منه ولا طمعاً فيه، وإنما تقديراً لأخلاقه وحسن تعامله، أما المتكبر فربما ازدحم حوله الناس لمصلحةٍ أو رهبة، لكن القلوب تبقى بعيدة عنه، والودّ لا يسكن في محيطه، والذكر الحسن لا يرافق اسمه إلا قليلاً، وليس أعجب من إنسانٍ يختال بما لا يملك، ويتعالى بما هو زائل، فالمال قد يذهب، والمنصب قد يُسلب، والقوة قد تضعف، والجمال قد يذبل، ويبقى الخُلُق وحده عنواناً لصاحبه، ولذلك كان التواضع من أرفع الأخلاق وأبقاها أثراً، لأنه لا يرتبط بمكسبٍ دنيوي، بل بجمال النفونقاء السريرة ورجاحة العقل، فكم من صاحب جاهٍ أسقطه غروره من أعين الناس، وكم من رجلٍ بسيطٍ رفعه تواضعه حتى صار محبوباً وموقراً في المجالس والقلوب، وكم من متكبرٍ ظن أن الناس تعظمه، بينما هم في الحقيقة يجاملونه حضوراً وينفرون منه غياباً، فالتكبر قد يصنع حول صاحبه هالةً من الزيف، لكنه لا يصنع له مكانةً حقيقية، لأن القلوب لا تنخدع طويلاً بالمظاهر، والحقيقة التي يغفل عنها المتغطرسون أن الإنسان كلما ازداد تواضعاً ازداد قدراً، وكلما ازداد تكبراً ازداد ضآلةً وإن ظن نفسه عظيماً، فالتواضع رفعةٌ لا يدركها إلا أصحاب العقول الراجحة، أما الغرور فمرضٌ يجعل صاحبه يرى نفسه أكبر من حجمه، حتى إذا انكشف الغطاء وجد أنه خسر محبة الناس واحترامهم وهو يظن أنه يربح، فالتواضع تاجٌ لا تراه العيون لكنه يُرى في الأفعال، وعطرٌ لا يُمسك باليد لكنه يفوح في التعامل، وخلقٌ عظيم لا يزيد صاحبه إلا رفعةً ومهابةً وجمالاً، أما الكِبر فمهما تزين بألقاب القوة والعظمة، يبقى نقصاً في النفس وعجزاً في الروح، لأن العظيم حقاً لا يحتاج إلى أن يشعر الآخرين بصغرهـم ليُثبت أنه كبير.