د. سفران بن سفر المقاطي
احتفل العالم في يوم الأربعاء الموافق 20 آذار/ مارس 2025م باليوم الدولي الثالث عشر للسعادة، وذلك بناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 281-66 بتاريخ في 12 تموز/ يوليو عام 2012م، استجابة لمبادرة مملكة بوتان التي قدمت للعالم مفهومًا مبتكرًا للسعادة الوطنية الإجمالية كبديل للناتج المحلي الإجمالي التقليدي، حيث لا يقتصر قياس تقدم الدول على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يشمل أيضًا الجوانب الاجتماعية والنفسية والثقافية والبيئية التي تؤثر بشكل مباشر على جودة حياة الإنسان ورفاهيته.
ويأتي هذا الاحتفال السنوي ليؤكد على أهمية السعادة كقيمة إنسانية سامية، وضرورة إدراجها في السياسات العامة، باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، حيث ترتبط السعادة ارتباطًا وثيقًا بالقضاء على الفقر، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان السلام الاجتماعي، وتعزيز الصحة النفسية والجسدية للأفراد، وهو ما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي وضعتها الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، أطلقت الأمم المتحدة تقرير السعادة العالمي لعام 2025، مركزًا على مفاهيم «الرعاية والمشاركة» كعوامل جوهرية في تعزيز مستويات السعادة، حيث تناول التقرير هذه المفاهيم من عدة زوايا، مؤكدًا أن السعادة الحقيقية تتحقق عندما يشعر الفرد أنه جزء من مجتمع متماسك ومتضامن، وعندما تتوفر له بيئة داعمة ومشاركة فعّالة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.
ومن المبادرات العالمية التي تعكس هذا التوجه، مشروع المدارس السعيدة الذي أطلقته منظمة اليونسكو في بانكوك عام 2014م، والذي يهدف إلى خلق بيئة تعليمية إيجابية تعزز الرفاه النفسي والاجتماعي للطلاب والمعلمين، وتدعم حب التعلم مدى الحياة، وقد تحول هذا المشروع إلى مبادرة عالمية في عام 2022، مع إصدار دليل شامل وأدوات عملية تساعد المدارس على تطبيق هذا النهج التعليمي المبتكر.
وفي إطار الجهود الدولية لتحقيق السعادة، برزت تجارب ملهمة في عدة دول، مثل مدينة كوبنهاغن في الدنمارك، التي تبنت مبادرة المدن الصديقة للدراجات، ونجحت في تحسين الصحة النفسية والجسدية للسكان، والتخفيف من التلوث والزحام، مما أدى لارتفاع ملحوظ في مستويات السعادة وجودة الحياة.
كما قدمت فنلندا نموذجًا تعليميًا متميزًا يركز على الرفاهية النفسية للطلاب والمعلمين، مما ساهم في تصدرها لقائمة الدول الأكثر سعادة لعدة سنوات متتالية، بينما تميزت هولندا بمبادراتها في زيادة المساحات الخضراء، مما أثبت فعالية كبيرة في تعزيز الصحة النفسية والجسدية للسكان.
أما على المستوى العربي، فقد شهدت المملكة العربية السعودية، في ظل رؤية 2030م، تحولًا نوعيًا نحو تعزيز جودة الحياة والسعادة، عبر مبادرات متعددة تستهدف مختلف شرائح المجتمع. ويعتبر برنامج جودة الحياة أحد أبرز برامج رؤية المملكة 2030م، حيث يهدف إلى تحسين نمط حياة الفرد والأسرة، من خلال تطوير المدن، وتعزيز الأنشطة الثقافية والترفيهية، وتوفير بنية تحتية متطورة، مما ينعكس إيجابيًا على جودة الحياة العامة.
كما شكلت مواسم السعودية، مثل موسم الرياض وموسم جدة، نقطة تحول مهمة في تعزيز السعادة والترفيه في المملكة، حيث جذبت هذه المواسم ملايين الزوار، وحققت نجاحًا كبيرًا في توفير فعاليات ثقافية وترفيهية متنوعة، مما ساهم في تعزيز الشعور بالسعادة والانتماء لدى المواطنين والمقيمين. وتأتي مبادرة «أنسنه المدن السعودية» لتعكس رؤية المملكة في تطوير بيئة حضرية تركز على الإنسان أولًا، من خلال زيادة المساحات الخضراء، وتطوير الحدائق العامة، وممرات المشاة، مما ساهم في تحسين صحة السكان النفسية والجسدية، وزيادة شعورهم بالرضا والسعادة.
ومن المبادرات المهمة أيضًا، جهود وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في تعزيز السعادة المؤسسية، من خلال توفير بيئة عمل محفزة وإيجابية داخل المؤسسات الحكومية، مما انعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وساهم في تحقيق مستويات أعلى من السعادة المجتمعية. كما يبرز دور الاتحاد السعودي للرياضة للجميع، من خلال مبادرة «رياضة للجميع»، التي تهدف إلى تشجيع ممارسة الرياضة والنشاط البدني بين جميع أفراد المجتمع، مما يعزز الصحة النفسية والجسدية، ويرفع مستوى السعادة والرضا العام. ويعد مشروع حديقة الملك سلمان بالرياض من المشاريع الكبرى التي تعكس اهتمام المملكة بتطوير المساحات العامة، حيث يوفر المشروع مساحات خضراء واسعة، ومسارات للمشي والدراجات الهوائية، وأماكن ترفيهية متنوعة، مما يجسد نموذجًا عمليًا لتحقيق الرفاهية والسعادة لسكان المدينة وزوارها.
كذلك، أدت مبادرة مراكز الأحياء الاجتماعية دورًا مهمًا في تعزيز التفاعل والتواصل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، من خلال تنظيم أنشطة ثقافية واجتماعية ورياضية وتطوعية، مما ساهم في رفع مستويات الرضا والسعادة بين السكان. ومن خلال تحليل هذه المبادرات، يتضح أن تعزيز السعادة وجودة الحياة لا يعتمد فقط على الموارد المادية، بل يتطلب رؤية واضحة، وسياسات مدروسة تركز على الإنسان كهدف ومحور للتنمية، كما أن نجاح هذه المبادرات مرتبط بشكل كبير بمشاركة المجتمع وتفاعله معها، مما يضمن استدامتها وتأثيرها الإيجابي طويل الأمد.
وختامًا، يمثل اليوم الدولي للسعادة فرصة مهمة لتذكير الحكومات والمجتمعات بضرورة تبني نهج شامل ومتوازن للتنمية، يضع الإنسان ورفاهيته في قلب الأولويات، ويؤكد أن النمو الحقيقي لا يقاس فقط بالأرقام الاقتصادية، بل بجودة حياة الإنسان وسعادته، وهو ما تسعى إليه المملكة وحققت جزءا كبيرا منه بشكل واضح في إطار رؤيتها الطموحة 2030م.