Al Jazirah NewsPaper Friday  13/08/2010 G Issue 13833
الجمعة 03 رمضان 1431   العدد  13833
الجمعيات الخيرية.. طموحات وآمال !

سعادة رئيس تحرير صحيفة الجزيرة

الأستاذ خالد بن حمد المالك سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فقد اطلعت على ما نُشر في صحيفة الجزيرة في عددها رقم «13825»، وتاريخ 24-8-1431هـ، مقالاً، بعنوان: «الجمعيات الخيرية.. من رأى ليس كمن سمع»، بقلم الأستاذ محمد بن حمد المالك.

أكتب اليوم وأنا ممتن لصاحب المقال، علّ بعض الحروف تبعث أملا أمام أي عمل إيجابي، أو فكرة إبداعية، أو شخصية متميزة. ولا أدري، هل أعقب على ما ورد في المقال من أفكار سامقة، ومعانٍ راقية، أم أعقب على صفات كاتب المقال السامية، فمنذ أن عرفته وكيلا لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية لشؤون الرعاية الاجتماعية، وجدت في شخصه أجمل المعاني. إذ هو قدوة في الخلق، والعمل الدؤوب، والذمة العالية، له أياد بيضاء على المحتاجين، وبذل النفس والمال والجهد في معونة الناس، مع حرصه الشديد ألا يذكر هذا في حياته.

على أي حال، فقد استعرض الأستاذ محمد تطور الجمعيات الخيرية منذ نشأتها، مع بداية حكم الملك عبد العزيز - رحمه الله -، عندما أصدر أمره الكريم بتشكيل هيئة في معظم بلدان المملكة، أسند لهم بموجب هذا الأمر، مهمة تلقي ما يرد لهم من الملك سنويا، من مواد غذائية وملابس ونقود. ووضح كيف كانت ميزانية عام «1353ه»، والتي قدرت ب «14» مليون ريال، وأصبحت ميزانياتها في سنواتها الأخيرة، تقدر ب «آلاف المليارات من الريالات». وقد أرخ - الأستاذ - محمد، ولادة وكالة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لشؤون الرعاية الاجتماعية، - لاسيما - وقد كان خير شاهد على أوضاع هذه الجمعيات منذ تأسيسها. وذكر الطرق العديدة، التي كانت تنفذ بها خدماتها وبرامجها المتعددة. ثم ما تعرضت له تلك الجمعيات من حملة شرسة مغرضة، وافتراءات باطلة، كان الهدف منها: وقف تسجيل جمعيات جديدة، ودمج بعضها في جمعية واحدة، وخفض مبلغ الإعانات، التي تقدم لها من الدولة عبر الوزارة. وكيف انتهى الحال؛ بإصدار المقام السامي لائحة خاصة بهذه الجمعيات، تضمنت تقديم إعانات متنوعة لها، تمشيا مع إجراءاتها السلمية، وأهدافها النبيلة، وذلك عندما تبين للمسؤولين، أن تلك الجمعيات ملتزمة بتنفيذ ما يصدر إليها من تعليمات من الوزارة.

بداية، أقول: يكفي المملكة فخرا، أن تحملت أعباء ومسؤولية العمل الخيري - منذ عهد المؤسس الراحل الملك عبدالعزيز رحمه الله - واستمر هذا العمل الجليل مع أبنائه الكرام إلى أيامنا هذه، وفق ضوابط محددة، تساهم في تسهيل إجراءات عملها، وتذليل العقبات التي تواجهها، مما يندرج في صورة الدعم بشقيه -المادي والمعنوي- إضافة إلى تبرعات الناس بشكل مباشر، أو عن طريق استقطاع شهري؛ للمساهمة في تلك المشاريع الخيرية.

لا أعتقد أن عاقلا ينكر دور الجمعيات الخيرية، كوسيلة مؤسسية وفعالة؛ لنشر العمل الخيري بين الناس بجهودها التطوعية، وبشكل مثمر وواضح. تمكنت من أداء مهام متعددة في مجال الرعاية والتنمية الاجتماعية، وتلمس احتياجات الأسر المحتاجة، والمساهمة في إقامة المشروعات الخيرية. واستطاعت تحقيق أهدافها، وتقديم خدماتها كما رسم لها، بشكل ملفت للنظر، جعل منها مثالا يحتذى. بل أستطيع القول: إن ما تقوم به الجمعيات الخيرية من حمل هموم الناس، يندرج تحت مظلة الدولة، وفق التوجيهات السديدة التي تتلقاها من القيادة الحكيمة.

ما أشار إليه سعادة الأستاذ محمد، من أن تلك الجمعيات ليست جمعيات خيرية فقط، وإنما تقوم بكل ما له صلة بالعمل الخيري، كحلقات تحفيظ القرآن، وغسل الكلى، وغير ذلك مما طابعه وهدفه خيري. يؤكد أن أعمال تلك الجمعيات أوسع من ذلك بكثير؛ ليشمل كافة جمعيات النفع العام في المجتمع، ويمتد أفقيا ورأسيا - بكافة - أشكال وصور العمل التطوعي، كالجوانب الإنسانية، والتربوية، والتنموية، والصحية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن الجمعيات النسائية - أيضا -، تقوم بدور خدمي في المجتمع: كمراكز الرعاية الصحية، وإيواء الأيتام، وتفطير الصائمين، ورعاية المسنين والمعاقين، ودعم صناديق مساعدة المرضى، ومشاريع الطفولة والأمومة، ومشاريع الأوقاف، والضيافة، ومراكز التدريب. وتوزيع الفائض من الطعام على الفقراء والمساكين والمحتاجين.

ولأن تلك الجمعيات الخيرية أصبحت واقعا ملموسا، والعمل الخيري أصبح فعالا ومؤثرا، سواء كان نوعيا أو كيفيا لاسيما في العقدين الماضيين. فقد تعرضت الجمعيات الخيرية لهجمة شرسة، تشنّ بين الحين والآخر، عبر وسائل الإعلام؛ للتخويف من مساعدتها من ذوي اليسار، كعدم قدرتها على التخطيط السليم، ووصمه بالعشوائية وضعف التخطيط. وقد ازدادت هذه الهجمة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث - لازالت - الدوائر الإعلامية والسياسية الغربية تشن هجومها على العمل الخيري، ممثلة بجمعياتها الخيرية، تحت دائرة اتهامه؛ بوجود علاقة بينه بين الإرهاب. وهذا ما يؤكده - المحامي - الأمريكي «وندل بيلو»، رئيس جمعية أصدقاء المؤسسات الخيرية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، من أنه: «لم يكن قبل الحادي عشر من سبتمبر - هناك - اتهام لهذه الجمعيات والمؤسسات؛ لأنها تعمل تحت المظلة القانونية، بصفتها جمعيات خيرية وإنسانية. ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر، بدأ الاهتمام الكبير بالإسلام والمسلمين، وأخذت دوائر إعلامية وسياسية في توجيه الاتهامات الخطيرة ضد المسلمين، لدرجة وضع المساجد والأئمة والخطباء تحت المراقبة، والتنصت على المكالمات الهاتفية، واعتراض الإيميلات، وتطبيق قانون الأدلة السرية، الذي يكشف عن محتوى الاتهامات بشكل واسع. وصار كل من يعمل، أو يقترب من مكاتب الجمعيات الخيرية الإسلامية - بشكل مباشر، أو غير مباشر- موضع اتهام، وأثيرت قضية المهندس سامي الحصين طالب الدراسات العليا في الولايات المتحدة؛ لقيامه بتصميم موقع لإحدى الجمعيات الخيرية على شبكة الإنترنت، وبُرِّئ الحصين من جميع الاتهامات، وعاد إلى المملكة».

ولا تزال الهجمة الشرسة قائمة، مع عدم تقديم الدليل على الأسباب الداعية لتلك الحملات ضد الجمعيات الخيرية. وللأسف، فإن بعض كتابنا نتيجة ازدواجية المعايير، وانعدام المصداقية، تحول إلى بوق لتلك التهم، دون أن يتحقق منها، وما يبث حولها؛ ليقف بشكل سلبي أمام العمل الخيري. متجاهلين منظمات تحت هذا المسمى تعمل في العالم كله، حيث تقدر عدد الجمعيات المسجلة في كافة أنحاء العالم الغربي بمئات الآلاف، - فمثلاً - في بريطانيا لا يقل عن «180» ألف مؤسسة خيرية، منها الدينية، ومنها الاجتماعية، ومنها الإغاثية، ومنها التنموية. ولا يستطيع أحد أن يجرؤ على الإساءة إليها، بل تخرس ألسنتهم حيال حملات التبرع؛ لبناء المستوطنات الإسرائيلية - على سبيل المثال -. ففي «إسرائيل» حوالي «30» ألف جمعية تعمل في هذا القطاع، وفق إحصائية رسمية لعام «2003م». وبناءً على الإحصاءات الرسمية لعام «1995م»، بلغ حجم المناشط التي أنجزها هذا القطاع «11» مليار دولار، أي: ما يساوي حوالي «13%» من الناتج المحلي، ويعمل فيه ما يقرب من «145» ألف شخص بشكل رسمي. بالإضافة إلى «177» ألف متطوع، - علمًا - أن معظم إيرادات العمل الخيري «الإسرائيلي» تتدفق من القطاع الحكومي، وتبلغ ما يقارب «64%» من حجم هذا القطاع، أما بخصوص القطاع الثالث ب «الولايات المتحدة»، فيضم في إطاره «1.514.972» منظمة وجمعية، ويتم الترخيص يوميًّا ل «200» جمعية تعمل في هذا المجال. وينتظم في هذا القطاع قرابة ال «11» مليون نسمة، بينما تبلغ إيراداته حوالي «212» مليار دولار سنويا، ويعتبر الشعب الأمريكي من أكثر الشعوب تبرعا للقطاع الخيري. وانظر إلى مبادرة الرجل الثري في العالم «بيل جيتس»، والذي تنازل عن جل ثروته للمؤسسة الخيرية التي أنشأها، والتي تستهدف مواجهة الفقر والمرض في العالم الفقير، والإشادة بما حظيت به تلك المؤسسة من مساندة من أصدقائه أعضاء نادي المليارديرات، وفي مقدمتهم «ورن بافت» الذي قدم «37» مليار دولار دعما للمؤسسة.

ونظرا لخصوصية الجمعيات الخيرية في السعودية، بسبب انطلاقها من دوافع إنسانية واجتماعية وتعليمية وتنموية ودعوية، كان لزاما الحفاظ على هذا العمل، وسلامة نهجه، ونقاء نيته، ونبل مقصده. وهي بلا شك موضع ثقة من الدولة، تمنحها العناية، وتشرف عليها من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية.

ولأن التجربة تثمر الاعتبار، فإننا نريد أن يعم الخير، والتكافل الاجتماعي في مجتمعاتنا. وعلى فرض، أن هناك بعض تجاوزات حصلت لبعض الأفراد، فهذا لا يمنع من إماطة اللثام عن تلك الوقائع، فهم في نهاية المطاف بشر، ليسوا بدرجة واحدة، يساهمون في قنوات العمل الخيري في كل مناسبة خيرية. مع ضرورة محاسبة المخطئ، ومراعاة قصده، والضرر المترتب عليه. - ولذا - فنحن بحاجة إلى رصد حجم العمل الخيري، وتقدير آثاره، وتطوير جهوده، وتقويم مساره، وتوجيهه نحو المزيد من العطاء والإنجاز. - خاصة - مع الضغوط الموجهة من كل مكان؛ لحصر العمل الخيري وتحجيمه.

إن قراءة المستقبل، تستدعي استمرار التبرعات، ومساندة رجال الأعمال، وتطوير الكوادر البشرية المؤهلة. إضافة إلى عقد اللقاءات التشاورية؛ من أجل الإصرار على الثوابت، والإبداع في الوسائل والمتغيرات، حتى يطمح كل مواطن إلى تأصيل هذا العمل الخيري، وزيادة كفاءته، وإدخال بعض التعديلات على هيكلتها؛ لتتمكن من أداء عملها على أكمل وجه، وأحسن صورة، حتى نقطع الطريق على كل من يحاول المساس بأدوار الجمعيات الخيرية، والرفع من مستوى العمل الخيري بالمملكة.

كم نحتاج لتلك الجهود اليوم في مجتمعنا، لاسيما وأنها تقتضي الذهاب إلى أبعد مما يطالب به النظام؛ من أجل المساهمة في الصالح العام للمجتمع، حتى ينعم بالازدهار والنمو الاجتماعي للأجيال القادمة، والسير نحو قضايا مهمة، تشكل منعطفا حقيقيا في الحراك الاجتماعي والنهضوي والتنموي، بمختلف تطبيقاته الفعلية على أرض الواقع؛ لإحداث التغيير الإيجابي.

إن أهم ما يمكن إضافته فيما تبقى من مساحة، هي الإشارة إلى عبارة - الأستاذ - محمد في نهاية المقال، حين قال: «ولعل مما تطرقت إليه، ممن ينطبق عليه: الدال على الخير كفاعله». وأنا أقول: لو كان الثناء رداء لألبسته إياك، فلطالما حدثني والدي عن فعلك الخير، وبذلك المعروف، وإغاثة الملهوف. وأكد لي كثيرا دعمك مراكز الدعوة، كجمعيات تحفيظ القرآن، والمساجد. إضافة إلى الأعمال الإنسانية والاجتماعية والعلمية، التي شهد بها البعيد قبل القريب. راجيا من الله: أن يجزيك خيرا على ما قدمت من أعمال إنسانية، وستظل هذه الكلمات قاصرة عن أن تبلغ ما نفسي.

د. سعد بن عبد القادر القويعي


drsasq@gmail.com

 


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد