Al Jazirah NewsPaper Tuesday  05/01/2010 G Issue 13613
الثلاثاء 19 محرم 1431   العدد  13613
 
إلى جنة الخلد يا أبي
سعيد محمد العماري

 

كنت أتمنى أن يمتد بك العمر لأعيش بجوارك وتحت قدميك أرعاك وأرد جزءاً من حنانك وتربيتك وسهرك علينا، ولكن لا راد لقضاء الله تقبلناها محتسبين راضين كما علمتنا دوماً، أعرف كثيرين تهاوى أمامهم كل جميل عندما فقدوا الأب ولم تر أعينهم سوى الظلام وتاهت عنهم معالم الحياة وأصبحوا غرقى في بحرها المتلاطم دون منقذ ولا معين، تتخبطهم أمواجها من كل جانب، ولكنك زرعت فينا طوال عمرك الإيمان بالقضاء والقدر وأن كل إنسان إلى فناء ولا يبقى إلا وجه الله سبحانه وتعالى، وأن الحياة لا تتوقف لموت أحد، وكنت تردد على مسامعنا أنك بعد عمر طال أو قصر سترحل عنا، ولكنك على يقين من أنك تركت رجالاً يكملون الطريق من بعدك للقيام بواجبهم تجاه أبنائهم وأشقائهم وذوي أرحامهم.

أخط هذه الكلمات وأنا أجتر ذكرياتي معك؛ فقد عاد شهر ذي الحجة ليذكر بمرور عام على رحيلك رغم أننا لم ننسك لحظة أيها الوالد، تغمدك الله بواسع رحمته، وعادت ذاكرتي إلى الوراء وتذكرت من كانوا معنا في العام الماضي ،رحمهم الله رحمة واسعة، ومرت أمام مخيلتي تلك اللحظات الحزينة التي تلقيت فيها اتصالاً من المستشفى يبلغني بفقد أعز الناس على قلبي وقلوب إخواني وكل من أحبه، في تلك اللحظة دار بي شريط الذكريات، تذكرت أيام طفولتي وكم تعب أبي وسهر وكم تحمل من الهموم والكدر من أجلنا تذكرت حرصه رحمه الله على العبادات والطاعات، وكيف كان كلما حل شهر رمضان المبارك شديد الحرص على أداء الفرائض والنوافل وتذكرت كم من المرات شددنا الرحال برفقته أنا وأخواتي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة لنقضي أياماً بجوار الحرمين الشريفين والصيام في رحابهما رجاء مضاعفة الحسنات ومحو السيئات، وكم كان حريصاً يرحمه الله على تربيتنا التربية الصالحة وعلى طاعة وتقوى الله.

تذكرت أيام الدراسة والمدرسة ومتابعته لنا في أدق الأمور وكيف كان يحفزنا للتفوق في دروسنا ونصائحه لنا حول مكانة العلم والعلماء وضرورة التعليم وأن سورة القلم هي أول سورة نزلت على رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- ليغرس فينا أن العلم مطلب ديني ودنيوي، تذكرت تحفيزه لنا وزيارته للمدرسة للاطمئنان علينا دراسياً وأخلاقياً مع المعلمين والزملاء كباراً وصغاراً، واستمرت المتابعة حتى الجامعة يوم أن حضر حفل التخرج ليفرح بنا ولنا ويجني ثمار جهده سنوات طوالا ترجمتها دمعة تدفقت على وجنتيه في لحظة تمنيت فيها أن أقبل رأسه ويديه وقدميه تعبيراً عن مدى حبي لهذا الوالد المعطاء يرحمه الله.

تذكرت قربه الشديد منا وتلمس حاجاتنا وحرصه على التعامل معنا كأصدقاء كاسراً حاجز الرهبة الذي يجده بعض الأبناء مع آبائهم، وكم أفاض علينا من خبرته الطويلة في الحياة بأسلوب قصصي يتسم بالبساطة والوضوح ولكنه يحمل في طياته العبر والدروس، علمنا كيف نصبر وقت الشدائد وجزاء ذلك الصبر، وكان دائماً يذكرنا بحديث الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن إصابته سرّاء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له). رواه مسلم.

وتذكرت حرصه على المبادئ والقيم وصموده -رحمه الله- أمام كل المغريات؛ فقد كان عبر سنوات حياته ينطلق من ثوابت واضحة وأكيدة استمدها من كتاب الله وسنة نبيه، وكيف كان لذلك أبلغ الأثر على سلوكنا وتربيتنا، فكان يرحمه الله في كثير من المواقف يتبع معي ومع إخواني أسلوب التربية بالقدوة لتقويم السلوك الذي يراه معوجاً، فكان خير قدوة حسنة لنا.

تذكرت وأنا في المرحلة الابتدائية كم أرسلني لإيصال التبرعات لبعض الجمعيات الخيرية وأصحاب الحاجات ليغرس فينا حب الخير وتقديمه لمستحقيه، وأن الله في عون المرء ما دام المرء في عون أخيه، وكم كانت الدعوات للوالد يرحمه الله تلاحقني وأنا أرى الفرحة في عيون هؤلاء البسطاء.تذكرت سماحته -رحمه الله- في التعامل مع الناس، فلا أذكر أن دخل في جدال أو مهاترات مع أحد حتى ولو كان له الحق له فهو يتنازل في ظل أن يبقى الحب والود وتعود الحياة كما كانت، فكان رحمه الله يعلم أن الجدال العقيم يحدث الفتن ولا فائدة من ورائه، وكانت حكمته وهدوؤه تجعل بيتنا وجهة للكثيرين من الأقارب والمعارف الذي يقصدونه من أجل إصلاح ذات البين، وكم رافقته أنا وبعض إخوتي لحضور مجالس الصلح.وتذكرت كم علمنا -رحمه الله- أن القناعة هي من أهم وسائل النجاح في الحياة وغرس فينا منذ الصغر أن القناعة هي الرضا بما قسم الله ولو كان قليلاً، وعدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، وأنها علامة على صدق الإيمان.

وأخيراً تذكرت كم عانى والدي -رحمه الله- خلال المرحلة الأخيرة من حياته من آلام المرض كلما اشتد عليه، ورغم ذلك كان صابراً محتسباً ولم أره متأوهاً أو شاكياً أو شاعراً بالضيق، وكم جلس على كرسيه المتحرك متنقلاً ومسافراً بصعوبة والابتسامة لا تفارق محياه، ولسانه لا يكل ولا يمل من ترديد كلمة الحمد لله على كل حال.ومهما مرت الأيام وتوالت السنون سأظل أفتقدك يا أبي وأفتقد لمساتك الحانية وأفتقد السند الذي كنت ألجأ إليه بعد الله سبحانه وتعالى، وستظل يا أبي في ذاكرتي دائماً وأبدأ وسيبقى ما قدمته لي نبراساً ينير الطريق، وسأظل سائراً على خطاك بإذن الله عاملاً بوصاياك وناقلاً لأبنائي التجارب والخبرات التي تعلمناها منك، رحمك الله رحمة واسعة، وجعل الجنة مثواك مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.




صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد