رحمه الله، كان معظم حديثه عن والده محمد بن هديان الذي عرف بكرمه وحفاوته بالناس في بيته، وحين كان أميراً لمركز مرات ثم العلا التابعة لإمارة المدينة المنورة حين كان أميرها الشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم - رحمه الله - ثم أميراً لمحافظة بيشة، وقد أشار إلى ذلك الدكتور محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف في مؤلفه (المختار من الرحلات الحجازية) كما أكد ذلك المؤرخ العلامة الشيخ حمد الجاسر في أثناء زيارتي له في منزله عام 1418هـ بعد إعداد حلقة عند من برنامج (رجال في الذاكرة) وبرفقتي الصديق عبدالله بن عبدالرحمن الهديان حين التفت إليه وسألني من هذا؟ قلت هذا الأستاذ عبدالله الهديان، جدّه محمد بن هديان أمير بيشة سابقاً، فقال الشيخ حمد الجاسر ونعم، محمد بن هديان، أمير بيشه رجل كريم، من رجال الملك عبدالعزيز، معروف بالحفاوة وبحسن الاستقبال، وتحدث عنه حديثاً أذهل حفيده (عبدالله) الذي لم يكن يدرك حينها أبعاد التوثيق التاريخي وأصداء السمعة الطيبة في ذاكرة المؤرخين والعارفين إلى تلك الدرجة من الحظوة التي بسطها الشيخ حمد الجاسر في حديثه البليغ، حيث لم يدرك حفيده عبدالله تاريخ ولاة جده (محمد بن هديان) لإمارة بيشة التي بدأت أوائل الستينيات وانتهت أوائل السبعينيات من القرن الماضي من (1365 حتى 1374هـ) تقريباً، وإنما عرف ذلك من إخوانه الكبار سعد وعبدالمحسن وأعمامه عبدالعزيز وسليمان وسلطان ورفقة والده - رحمه الله -.ولعل من أهم مبررات الوفاء لهؤلاء النماذج من الأوفياء الذين عاشوا بيننا في هذه الحياة الدنيا أن نذكر محاسنهم عند مغادرة الحياة، ونعبر عن أشتات من الصور التي رسموها في لوحات حياتهم معبرة عن حضورهم الأثير في نسيج المجتمع الذي عاشوا فيه عبر عمرهم الذي تضيؤه معاناتهم ومواقفهم وإسهاماتهم المسكونة بالشفافية والنبل والإخلاص والتعامل الأخلاقي مع الناس الذي تبقى آثاره في ذاكرة الأجيال، وتردد على ألسنة الناس في المجالس، وتنغرس في أعماق الوجدان، ولا أدل على ذلك من الحضور الأثير وقت العزاء والصلاة وحين الوداع وبعده، وشائج نشهدها كل يوم في مجتمعنا تؤكد معاني الألفة والمحبة والترابط بين أعضاء المجتمع مهما تشتت بهم مسارب الحياة، وفرقتهم المعاناة والسبل وارتحالات السفر، تستقطبهم قوافل الغياب إلى بيادر الحضور لتمتزج العبرة بالعبرة في مشهد من مشاهد الخشوع المعبر عن سنة الحياة الدنيا في الشروق والغروب، البداية والنهاية، الاستقبال والوداع لهذا الإنسان الذي خلق في كبد منذ النشأة إلى آخر مراحل الرحيل، وبرغم ذلك يحيا متعلقاً بالأمل حتى وهو يتأمل في مواكب الراحلين، ويتلفت في وجوه المودعين على مرافئ الرحيل، وعند عتبات الفراق مردداً مع عباد الله المؤمنين الصابرين (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).