Al Jazirah NewsPaper Sunday  29/11/2009 G Issue 13576
الأحد 12 ذو الحجة 1430   العدد  13576
رحلت أمي
دهام عواد الدهام

 

(إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).. كيف أبدأ حزني على فراق أمي.. بل كيف ينتهي!!

(لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ).. نعم هي نهاية هذه الحياة لحظة أن يحين القدر.

على مساحة هذا العمر كنت أنتِ لي هذه الدنيا بحلوها ومرها.. بحزنك وفرحك، بصحتك واعتلالك، كانت دنيتي وجنتي تحت قدميك! ليس من كلمات يمكن أن تعبر عن كبر قدرك يا أمي أنتِ وكل أم رحلت أو تنعم بحياة سعيدة، ولا تشفع لنا نحن الأبناء مهما كانت البلاغة وفصاحة اللسان أن نسطر لكم ما أنتم أهلاً للوفاء به ولا ما قمنا به أو سنقوم.

حملتني لهذه الحياة تسعة أشهر وهناً على وهن، وفطاما في عامين، كم ذقتِ فيها ألما وحرقة وسعادة وعناء، كيف كانت هذه المساحة من العمر أقصر مما أتخيل عند لحظة الفراق، كل سحابات الحزن التي خيمت على قلبي وانكسار نفسي وانهمار دمعي لا تقاوم صدمة الفراق الأبدي، كل محبيك ومريديك، أبناؤك وبناتك وإخوتك وأخواتك وأحفادك، ومن أحبوك، فيهم ومن خلالهم كانت هذه السحابات تظلل سماءهم وأرضهم.

عذراً أمي.. سامحيني.. حين كانت يداك تتلحفني، تنتشلني إلى الحياة، كانت يداي بالأمس تحتضن رأسك المتعب بالألم وقلبك الذي يقاوم انحسار تدفق الدم حين كنتِ تقاومين تلك الشاشات المحيطة بسريرك الأبيض وتلك الومضات التي تدفع - بعد إرادة الله سبحانه وتعالى - نبض الحياة في جسدك.. اعذريني أمي لم تستطع يداي المكبلة بالقدر أن تفعل شيئا سوى أن تحتضنك لحظة الرحيل حين بدأت تلك الأجهزة ترسل إشارات النهاية وحين حلقت روحك في السماء في اتجاه خالقها بسلام، وكأنك غفوت بعد عناء يوم طويل أو تعب سببه لك أحد أطفالك الذين منحتهم جل حياتك العريضة إلى أن حل القدر ورحلت إلى ما أنتِ قادمة له مشرقة مطمئنة، وتركتِ في أرواحنا ألما، وفي عيوننا دمعاً لن يغسل انهماره حزناً خيم على حياتنا وقلوباً مكسورة راضية بقدر الله، حين حملتك تلك الأكتاف على لوح يزفك بإرادة الله إلى مأواك الأخير، جعله الله روضة من رياض الجنة وأبدلك خيراً من هذه الدنيا.

يا أمي.. غداً عيد.. وكل عيد من سيكون بانتظارك، أبناؤك وأحفادك عقب الصلاة؟.. (التي أعياك المرض عن القيام بسنة نبوية)، لا أحد أمي سوى روحك المودعة عند بارئها.. لا تحزني أمي على هؤلاء الأطفال الذين كنت تنعمين عليهم (بالعيدية) لهم من سيكفكفهم، لكن أمي من سيتكفل بحزننا على فراقك.

أمي ويا كل أم.. تنكسر قلوبنا لفقدان إحداكن، يا أمي لحظة مسحت كل ساعات الفرح التي عشتها منذ زمن طويل أمام حزن رحيلك، لم أدرك وأعرف كم أنت صبورة وعاشقة للحياة بإيمان عميق لأن الله سيكون معك في تلك الصراعات على تلك الأسرة البيضاء في وطني وفي تلك البلاد البعيدة، كل تلك القساوات التي مرت بك من جرح إلى جرح ومن ألم إلى ألم لم تكسر عزمك ويقينك، كيف كنت في تلك الدقائق الأخيرة وأنا وإخوتي حولك وأنت ترددين خلف أحدهم ما تحفظين من آي القرآن الكريم وكأنك تقرئين دنو تلك الساعة وتخفينها عن عيون من حولك ومحبيك. أمي رحلت إلى دار السلام بين يدي رب رحيم وتركت وراءك قلوباً حزينة مكسورة على فراقك وهي تتضرع إلى الله بأيادٍ مملوءة بالدموع بالرحمة والمغفرة لك وأن يرفعك الله إلى عليين ويلحقنا بك في جنات النعيم.. آمين.

- الرياض



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد