Al Jazirah NewsPaper Sunday  29/11/2009 G Issue 13576
الأحد 12 ذو الحجة 1430   العدد  13576
ماذا تريد المرأة السعودية؟
د. ليلى عبد الرشيد عطار

 

في خضم الأحداث العالمية المتسارعة، وما أفرزته من ضغوط وتوجهات لعالمنا العربي والإسلامي بصفة عامة ولمملكتنا الحبيبة بصفة خاصة، يشعر الفرد السعودي بالدهشة والحيرة مما يحدث من قبل أفراده رجالاً ونساء من تطرف وغلو في الدين أو في البعد عنه والذي أقصده وسأتكلم عنه فقط موضوع حقوق المرأة السعودية بين المطلوب والممنوع شرعاً، حتى لا تختلط الأوراق، وتضيع الحقوق، ونسيء ونحن نظن أننا نحسن صنعاً، ونفعل كما فعلت هدى شعراوي عندما خرجت مع نسوة مصريات في مظاهرة للمطالبة بخروج المحتل الانجليزي من مصر، فخلعت حجابها وحرقته؟!!.

إن الذي دفعني للكتابة هو حبي لأختي السعودية التي شاركتني العيش والحياة تحت سماء هذه الأرض المباركة، وتربينا في أسرنا المحافظة، وتلقينا تعليمنا في مدارسنا المستقلة ثم تخرجنا وتقلدنا مناصب مختلفة في أماكن عملنا لنخدم بنات جنسنا، وننهض بمجتمعنا ونرد له بعض ما أعطانا، وبعد مرور سنوات العمر في العلم والتعليم، تشعر بعض أخواتنا السعوديات بأنهن مظلومات، مهضومات الحقوق، ويسعين بكل جد وقوة للمطالبة بحقوق المرأة السعودية، والذي ساءني أن تبدأ المطالبة بحقوق المرأة بالظهور في القنوات الفضائية والصحف والمجلات، والاختلاط بالرجال، والمطالبة بقيادة المرأة للسيارة؟!!.

فهل المطالبة بالحقوق والنهوض بالمجتمع والمساهمة في التنمية كما ترى البعض لا يتم إلا بالتبرج والسفور والاختلاط بالرجال ومزاحمتهم في أماكن العمل ومشاركتهم ومجالستهم في المنتديات والمؤتمرات؟!!وهل تشعر المرأة السعودية بقيمتها الفعلية، ورفع الظلم عنها إذا قادت السيارة؟!! وهل تشعر المرأة السعودية بالعزة والكرامة يوم تزيد أعباؤها المنزلية والوظيفية بمهام السائق في توصيل أولادها وزوجها وقضاء لوازم المنزل؟. أم أنها ستقوم بمشاويرها وتترك أمر أولادها وبيتها للسائق؟!..

لا أعلم هل انتهت أولويات أخواتنا السعوديات بالمطالبة بهذه الأمور وترك ما هو أدهى وأمر من ظلم للمرأة وهضم حقوقها في المنزل والعمل والمجتمع أم ماذا؟!.

لماذا لا نستفيد من تجارب المجتمعات السابقة والحاضرة، الإسلامية والغربية فيما جنته المرأة من تعاسة وشقاء بسبب ما يطالبن به؟

وهذه بعض الأرقام أقدمها لأخواتي السعوديات، حباً لهن، وحرصاً عليهن من الجري وراء الشعارات البراقة الخادعة؟

1- آثار السفور والتبرج والاختلاط:

عن كتاب الاحصاء الوطني الصادر عام 1997م عن إدارة الاقتصاد والاحصاء في مصلحة التجارة الأمريكي:

1- بلغت جرائم الاغتصاب في أمريكا عام 1995م أكثر من 97 ألف جريمة.

2- بلغت جرائم قتل النساء عام 1995م 4700 جريمة.

3- عدد المغتصبات اللائي سجلن حوادث اغتصابهن عند الشرطة في عام 1996م كان 90430 امرأة، أم اللائي لم يسجلن حادثة الاغتصاب فيقدرن بـ310.000 حالة، وسبب عدم الشكوى اليأس من إمكان الشرطة أن تعرف أو تساعد، وعدم جدوى التقرير.

4- التحرش الجنسي وتسمى (الجريمة المسكوت عنها) وهي تحرش أرباب العمل أو المديرين أو المدرسين بالنساء، وهؤلاء النساء يقعن تحت نفوذ رجال متنفذين، وفي العادة لا تسجل هذه الجرائم بسبب خوف المرأة على وظيفتها أو طمعها في تعويض أو صعوبة الاثبات.

5- عدد حالات الاغتصاب في كندا، المسجلة 20530 حالة، وفي كندا 150 مركزاً لمساعدة المغتصبات اللائي يطلبن المساعدة بعد اغتصابهن، ورقم المراكز في أمريكا لا تتوفر له احصائية لأن من الرسمي والتطوعي، ومن يعرف المجتمع يعرف مدى انتشار هذه المراكز في استراليا 75 مركزاً لمساعدة المغتصبات وفي نيوزيلندا 66 مركزاً.

6- حالات الاغتصاب المسجلة في ألمانيا 5527 حالة.

7- في جنوب افريقيا 2600 حالة مسجلة، وغير المسجل يقدر بـ386.000 حالة.

8- اسرائيل بها 7 مراكز لمساعدة المغتصبات.

9- روسيا سجل فيها 14000 حالة، أما التقدير للحالات فهو من أعلى دول العالم 700.000 حالة (ويمكن للمزيد من المعلومات الرجوع إلى نفس المرجع).

نظرة متأملة متعمقة لواقع مجتمعنا السعودي، يوضح أن فيه الكثير من الايجابيات وكثير من السلبيات التي تحتاج إلى اعادة النظر فيها وتعديلها وجعلها جزءاً أصيلاً من سلوكنا الايجابي، وحقوق المرأة المسلمة أقرتها الشريعة الإسلامية من خلال كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وثبوته في كتب الفقهاء وعلماء المسلمين، والمعاناة التي تلاقيها المرأة السعودية بسبب سوء تطبيق هذه الحقوق، وسوء الفهم من الحكمة منها، بالاضافة إلى غلبة العادات والتقاليد الموروثة من المجتمع أثناء تطبيقها ومطالبة اخواتنا السعوديات بهذه الحقوق هو جزء من حقها الشرعي في المطالبة بها، ولكن المطالبة لابد أن تخضع للفهم الصحيح الشامل لمقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها وحكمتها وأسبابها وضوابطها، ودور كل من الرجل والمرأة في الحياة كما حددتها الشريعة الغراء، والمحافظة على الأصول والثوابت الشرعية، وتعطي هذه الحقوق ضمن الضوابط الشرعية التي لا تحل حراماً، أو تحرم حلالاً، وتحفظ للمجتمع وأفراده أمنه واستقراره وطهارته وعفته ومن يقرر ذلك علماء المسلمين وليس كل من قرأ كتاباً أو منح درجة علمية، ولا يفهم من الإسلام الا شبهاته.

إن كل ما نحتاجه الآن هو وضع آليات فعالة لتطبيق الحقوق لأن الشريعة الإسلامية أقرتها ولا نحتاج لاجتهاد بشري، أو تنظير فلسفي.

من وجهة نظري أن هناك بعض الأمور التي لابد أن تؤخذ في الاعتبار عند تحديد الآليات (من قبل لجان مختلفة متخصصة) حتى تحقق أهدافها:

1- إن المعني بالدرجة الأولى في تطبيق الحقوق واعطائها للمرأة كاملة هو الرجل أباً أو زوجاً أو أخاً أو مسؤولاً في أي مؤسسة حكومية، والرجل السعودي -إلا من رحم ربي - ينظر إلى المرأة نظرة دونية فيها استخفاف واحتقار، ويعاملها معاملة سيئة مهما بلغت من علم وتقلدت من مناصب، ويستغلها مادياً ومعنوياً لمصلحته، ويبيح لنفسه ما يحرمه عليها، لذلك لابد من تغيير عقلية الرجل السعودي وتوعيته بقيمة المرأة وكرامتها وانسانيتها وحقوقها وواجباتها وكيفية تعامله معها من منطلق الفهم الصحيح لما أقره الإسلام وطبقه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم مع نسائه وبناته ونساء المؤمنين.

2- أهمية فهم الحقوق التي أقرتها الشريعة الإسلامية فهماً صحيحاً شاملاً لجميع جوانب حياة المرأة دون تأثر بالعادات والتقاليد والموروثات المكتسبة من التربية التسلطية للرجل على المرأة، دون تأويل أو تفسير مخالف لما أراده الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تفهم قوامة الرجل أنها تسلط وتجبر في منع المرأة من حق العلم أو التعليم أو العمل أو اختيار الزوج المناسب، أو حق التملك والارث أو إدارة أموالها.

إن الفهم الصحيح في اعطاء المرأة حقوقها سيدفعها إلى مزيد من العطاء والانتاج مع زوجها وأطفالها ومجتمعها في راحة وأمان.

3- اعطاء المرأة السعودية حقها في طلب العلم في جميع المراحل التعليمية، مع التوسع في مختلف التخصصات العلمية والادارية والفنية والمهنية التي تتناسب وقدراتها ودورها التربوي في الأسرة، مع مراعاة علاج أوضاع أماكن التعليم من حيث مناسبته للعيش الآدمي، وعدم تكدس الطالبات في الفصول الدراسية، واختيار المباني وصيانتها وتزويدها بالخدمات التعليمية والتربوية كالمعامل والمصلى والمكتبة ودورات المياه الصالحة للاستعمال.. إلى غير ذلك.

4- اعطاء المرأة السعودية حقوقها المالية والمعنوية في العمل، فهي تتساوى مع الرجل في عدد ساعات العمل وتكاليفها، ولكنها لا تتساوى معه في الراتب أو المرتبة أو الترقية أو الانتداب.. وغيره لذلك لابد من وضع أنظمة عمل تتناسب ودور المرأة التربوي كزوجة حامل أو أم مرضع أو راعية لزوج أو طفل مريض، ومعاملتها حسب هذه الظروف دون ظلم لها أو لغيرها حتى تؤدي عملها بكفاءة واقتدار وعلى أكمل وجه.

كذلك من حق المرأة في العمل وضعها في المكان المناسب الذي يتلاءم مع مؤهلها العلمي وقدراتها الفعلية دون محاباة أو واسطة، مع تأمين بيئة عمل مريحة من حيث المبنى والامكانات الفنية الكفيلة بمساعدتها لأداء عملها.

كذلك من حقوق المرأة في العمل اعطاؤها حقوقها المالية ومساواتها بالرجل في الانتداب والتقاعد وخارج الدوام ما دامت مساوية للرجل في نفس عدد الساعات والتكاليف.

5- تقنين التشريعات المأخوذة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والأنظمة البشرية المناسبة لطبيعة المرأة المسلمة ودورها التربوي والوظيفي، بما يخص رعاية المرأة المطلقة والأرملة وزوجة السجين والمرأة المقطوعة دون أهل لرعايتهن وتأمين الحياة الكريمة لهن ولأطفالهن من مسكن ومأكل ومشرب وتعليم وايجاد فرص عمل لهن ولأولادهن كذلك اعادة النظر في نظام التقاعد للمتوفى زوجها، وللمسجلات في الضمان الاجتماعي.. وغير ذلك.

6- تطوير الأقسام النسائية في المصالح الحكومية، والهيئات التعليمية لتسهيل عمل المرأة مع اعطاء المسؤولات فيه صلاحيات واسعة، وتركهن يتخذن القرارات المناسبة لما فيه مصلحة المرأة والعمل ضمن الأنظمة واللوائح المرنة والمنضبطة بالضوابط الشرعية.

7- تطوير المحاكم السعودية وتزويدها بالكفاءات الإسلامية الشابة التي تتفاعل مع قضايا المرأة وتنصفها بالحق والعدل من الرجل (زوج، أب، أخ) وتحافظ على حقوقها من الظلم والاستغلال.

8- اعطاء المرأة السعودية المؤهلة لذلك عقلياً وعلمياً ودينياً ونفسياً لاتخاذ القرار فيما يتعلق بأمور النساء، لأنها الأقدر والأعلم بما يناسبها من الرجل، مع اعطائها الثقة الكاملة لابراز قدراتها وكفاءتها في مختلف المجالات.

9- الاهتمام بدور المرأة السعودية التربوي كزوجة وأم مربية، وعدم اغراقها في العمل الوظيفي، وترك مسؤولية تربية أولادها للخدم والمربيات، فما فائدة ما تفعله في خارج منزلها وبيتها وأولادها أولى بالاصلاح والتهذيب والاهتمام.

هذه بعض الرؤى التي رأيتها لأسهم بدور بسيط مع اخواتي السعوديات في وضع النقاط على الحروف، لأننا جميعاً نحتاج إلى بعض التعقل والموضوعية في علاج مشكلات المرأة السعودية، والتخفيف من همومها وآلامها، وتأمين الحياة المريحة الهانئة لها، ضمن الضوابط الشرعية.

والله أعلم..

- أستاذ مشارك التربية الإسلامية بكلية التربية للبنات - الأقسام الأدبية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد