Al Jazirah NewsPaper Tuesday  22/09/2009 G Issue 13508
الثلاثاء 03 شوال 1430   العدد  13508

ترى الجلسة عند الإبل أو في المزرعة
فهد بن سليمان بن عبدالله التويجري

 

من حكمة الله وعدله، أن جعلنا سواسية في ساعات اليوم والليلة، فاليوم (أربع وعشرون ساعة) يعيشها الكبير والصغير، الذكر والأنثى، الرئيس والمرؤوس والعامل والعاطل، والصحيح والمريض، المسلم والكافر على حدٍ سواء، فلا يستطيع ملك مهما بلغ ملكه، أو غني مهما بلغ غناه أن يزيد ساعات يومه وليلته، مع أن أعمارنا متفاوتة لحكمة يعلمها الله وحده، فالنقص وارد والزيادة غير ممكنة، فليس بمقدور أحد أن يأخذ من رصيد أيامك ويضعها في رصيد أيامه الوقت هو الحياة، والحياة هي العمر، والعمر هو أنت، ومع ذلك يتسابق أكثرنا إلى قتل أوقاتهم بل ويتفاخرون في ذلك، وخذ مثلاً: نظام الدوريات لدى بعض المجتمعات، والدورية هي اجتماع أسبوعي بين مجموعة أشخاص، والمكان استراحة أو منزل أو مزرعة، أو مقهى أو عند (الإبل) فيتفاخر بعضهم بهذه الدوريات (الاجتماعية) التي أقل أحوالها كلام لا فائدة من ورائه، إن لم تشتمل على غيبة أو فسق.. الخ.

فيقول أحدهم بزهو وفخر:

أنا كل ليلة مرتبط!!

فليلة الأحد مع زملاء الجامعة الذين تخرجت معهم، وليلة الاثنين مع زملاء العمل وليلة الثلاثاء مع الجيران، وليلة الأربعاء مع الأقارب، وليلة الخميس مع أقارب الزوجة، وليلة الجمعة جماعة المسجد.. وهكذا. مع الإحاطة أن الاجتماع لأهميته وحتميته يبدأ من منتصف العصر حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً وذلك كل ليلة، حتى يؤكد بعضهم قائلاً: ترى الجلسة عند (الإبل) كل ليلة دعوة مفتوحة، وجلسة مفتوحة، والجلسة كل ليلة في الاستراحة أو المزرعة.. إلخ.

ويعظم الأمر وتتفاقم المصيبة ويشتد الخطب إذا كان هذا فعل بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة، أو الإصلاح والبناء، حتى اني سمعت عن شخص يشار إليه بالبنان في عمله وحفظه للقرآن، يجلس عند إبل جمعها كل ليلة للقيل والقال!!

حتى لو فرضنا أن الاجتماع كل ليلة على قرآن أو سنة، أفليس هناك حقوق أخرى كيف والاجتماعات ليست كذلك، فأين حق الله!! أين حق النفس!! أين حق الأمهات والآباء، أين نصيب الزوجة والأولاد!! أين حق القرآن والسنة!! أين حفظ الأوراد والأذكار!! أين وأين!!. حقوق ضيعت، وواجبات تركت، ومسؤوليات أهملت، وذلك من أجل جلسة (البعارين) أو الاستراحة، أو اجتماع المزرعة، ثم نقول ذهبت الأيام، وانقضت الشهور، واندرست الأعوام، ولم نحفظ شيئا من القرآن، أو نستذكر شيئا من السنة، نشكو جفوة أولادنا، ومشكلات زوجاتنا، أو العنف الأسري، نحن من صنع ذلك كله، بالبعد عنهم ومنهم، فلا نجلس معهم، ولا نسمع مشكلاتهم، أو حتى نحاورهم. ثم يذهب أولادنا إلى غيرنا ليعرضوا مشكلاتهم، ولا تعتذر بالمشاغل أو المناسبات.

فهذا المشغول الأول عليه الصلاة والسلام كان يكون في شأن أهله يداعب (الحسن والحسين) مع أن عنده تسع زوجات، وهو رئيس الدولة والقاضي والواعظ، وقائد الجيش..

إذاً متى عسانا نخلو بربنا، ومتى عسانا نراجع أنفسنا، لقد كره البعض نفسه أن يجلس معها وإليها، أو يناقشها، أو يحاورها، أو يؤدبها، فهو يهرب في الحقيقة من نفسه، وداره إلى جلسائه معتقداً أن البيت للنساء والصبيان، فتراه إن لم يكن له دورية، طلب كل اجتماع، وذهب إلى كل استراحة، أو مناسبة فاراً من بيته باحثاً بحثاً حثيثاً عن الجلسات، متوهماً أن هذا تميز وميزة، وفخر واعتزاز، والحق أن البيت مأوى العظماء، والعلماء، والأدباء والخبراء، بل حتى بعض النساء فعلن فعل الرجال، فتركنا البيوت لشغالات يصنعن ما يردن مع أولادهن.

وهذا إمام العظماء الذي غيّر وجه التاريخ، وترك إرثاً عظيماً، وتحولاً كبيراً تتوارثه البشرية قرناً بعد قرن، محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي كان دائماً ما يكون في بيته، يصلي فيه النوافل ويكون مع زوجاته وفي شأنهن، ومع أطفاله (الحسن والحسين).

والبعض اليوم إذا ولج بيته ولم يجد زوجته وأولاده فر من بيته فرار الضأن من ذئب اشتد في طلبها، ثم يتصل على هذا وذاك وكأن البيت حرام عليه إلا أن يكون فيه أحد. أخي صاحب الدوريات والجلسات ضع يدك على قلبك.

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثواني

وأبلغ من هذا قوله سبحانه {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإنسان لَفِي خُسْرٍ} العصر. فربك يعظم العصر (أي الوقت) وأنت تحقره، فهو عند الله عظيم، وعندك حقير، ويقول الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}(الشرح: 7-8). ولم يقل إذا فرغت فاذهب إلى أصحابك أو أصدقائك.

يقول سبحانه:

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ..} (يونس: 45).

{يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسراء: 52).

{يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا}( طه: 103).

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ}(سورة الروم 55)

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ}(الروم: 55).

{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} (النازعات: 46).

فمن الغبن الفاحش أن نضيع أوقاتنا كل ليلة في الاستراحات، أو عند الإبل. فهل من تنظيم لأوقاتنا، ومعالجة لساعاتنا، وحدٍ من بعض اجتماعاتنا في الاستراحات أو المزارع، فمن الخطأ الكبير أن تكون أوقاتنا فوضى ننتظر صوت رنين جوال ينادي لاجتماع أو جلسة أو سهرة.

نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس (الصحة، والفراغ).

fh3300@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد