من أي أرض أتيت؟ من بقعة لا أعرف تحديدها بالضبط لكنها إلى الشرق من هنا.. تتكلمين لغة لا أفهمها مهما حاولت معي تتحدثين بلهجة عربية ركيكة كلماتها مكسرة لكنها قريبة إلى قلبي وعقلي، أحس بفرح غامر وأنت تقولين: (ههبيبي إنت ابغى حاجة) كلمات لا تحسنين نطقها جيدا لكنني أستشف معها الحب والحنان اللذين لا أحس بهما كثيراً من حولي.
أراك تحملين أخي الأصغر وقد غطيت جسمه بدواء أبيض تمشين به ليسكت ويكف عن الصراخ لما يحسه من آلام. تحملين وزنه الثقيل وتتمشين به في ساحة المنزل أعرف كم يتعبك حمله وكم تعانين لخدمتنا وراحتنا.
قرر طبيبي المعالج أن أمشي يومياً لمدة ساعة أو نصف ساعة على الأقل، أذهب معك ومع أمي والشغالة الأخرى سيرا، تساعدينني في ركوب سيارة الجيب المرتفعة وأجلس بقربك فإذا وصلنا أصدرت أمي أوامرها: هيا انزلوا.
تمسكين بيدي اليمنى وتمسك سيرا بيدي الأخرى أسير بينكما أحاول نقل قدمي اللتين أتعبهما المرض وقد التفتا للداخل بعكس أرجل الأطفال، أحاول الاتكاء على سيرا تارة وعلى نور تارة أخرى لكنهما تحثانني على السير معتمدة على نفسي لتدريب قدمي (أنت لازم تمشي هبيبي) أتمايل بينهما ذات اليمين وذات الشمال، نقل قدمي ورفعها من الأرض يؤلمني ويؤخر مسيري، وفي الأمام تسير أمي بهمة ونشاط، تزداد ابتعادا عنا.
عندما أعود للبيت تقوم نور بغسل قدمي وتحملني لسريري فلم أعد أقوى على السير خطوة واحدة بعد.. تذهب أمي لعملها وتساعدني نور لأركب السيارة وأذهب لمدرستي الخاصة بالمعاقين. عند الظهيرة تأخر علي السائق وتأخرت نور أكثر من نصف ساعة وعنما حضرت كان وجهها متغيرا.
احتضنتني وهي تبكي جلست بجوارها ويدها على كتفي سألتها ما بها قالت (بابا تعبان شويه) لم يكن والدي في المنزل، علمت أن حادث سير حصل لوالدي وأنه في المستشفى وبقيت نور عنده وأصبحت سيرا هي التي تعتني بي لكنني لم أعد أخرج للمشي فليس باستطاعة سيرا أن تسندني لوحدها كي أمشي.
بعد أسبوع خرج والدي من المستشفى وحضرت نور كنت في شوق لهما معاً. لكن والدي كان يجلس على كرسي بعجلات بقيت نور ملازمة له تسهر معه وتلبي حاجاته وتنظف غرفته وتغير مفرش سريره يومياً وتحرص على نظافته فتحضر له الماء لغسل وجهه ويديه ورجليه وتساعدني كي أذهب إليه وأجلس معه عندما أعود من مدرستي.
الآن أصبحت أرى والدي واستمتع بأحاديثه وأشرح له ما بداخلي قلت له إنني أحبه وأفتقده دائماً وأتمنى لو يجلس معي كل يوم بعد أن تتحسن صحته كما يجلس معي الآن.
بعد شهر تقريباً تعافى والدي ورجع لمزاولة عمله لكنه قرر أن يعمل لنا حفلة صغيرة بمناسبة شفائه، كانت حفلة متواضعة أعلن فيها أنه سيتزوج نور ويهديها شقة باسمها لوقوفها إلى جانبه في مرضه وملازمتها له.
جنت والدتي وفقدت أعصابها وهي تقول، هذا واجبها وهي شغاله تأخذ راتب كي تعتني بك وبأولادك.
رد والدي: صحيح أنها تتقاضى راتباً نظير عملها لكنها تخلص في عملها لأبعد حد حتى بعد حدود الراتب، إنها تعطي الحب والحنان والاهتمام فوق قيامها بواجبها، وفعلا تزوج والدي من نور وبقيت على اهتمامها بي وبوالدي وبأخي الأصغر.