لا بد لكل إنسان أن تكون له بصمته الخاصة، وأن يكون له إسهام في الحياة يميزه عن غيره، وأن يحرص على أن يترك وراءه أثرا في الحياة يذكره الناس به بعد رحيله عن الحياة الدنيا، حين لا تتوقف خطوات حياته عند ساحل الموت، بل تمتد بعد غياب جسده، ليظل حياً من خلال ما تركه من ذكرى وعمل ونشاط وبصمة.
أعني لابد لكل منا أن يستثمر الحياة بطريقته التي يفهمها ويجيدها ويبدع فيها، ويوظف حياته توظيفاً إيجابياً، ويستثمر وقته فيما يفيد الناس فكراً وقولاً وعملاً..
الحياة تمر سريعاً، وستستمر بوجودنا وبغيابنا، فاختر لنفسك بين صفحاتها موقعاً مرموقاً، تتضح فيه بصمتك، ويبدو أثرك، وتحقق من خلاله طموحك، وطالما الحياة الآخرة هي الدائمة المستمرة الحقيقية، لماذا لا نتخذ من دنيانا فرصة أن نطبع على جبينها بصمات إنسانية وذاتية يعود مردودها لصناعها في حياتهم وللآخرين بعد مماتهم؟ ليعود نتاجها خيراً وتكون رصيداً نافعاً حين يعز الرصيد، ويتوقف المدد، وينقطع العمل إلا من مصادر محدودة، لماذا لا نترك البصمة التي تتحدث عنا وتضيء حياتنا بالخير والنفع وصلاح المجتمع، وبعد مماتنا تكون أجراً وثواباً وعملاً صالحاً لا ينقطع أبداً وصدقة جارية لنتخذها سنداً وعضداً على الصراط تهويناً وتسهيلاً لعتباته التي تزل فيها الأقدام وتقشعر الأبدان ويعز فيها الثبات.
العمل الإيجابي من فكر وإبداع وعلم نافع وابتكار مفيد والإحسان والعمل الصالح كل ذلك يمثل أجمل بصمة يمكن أن نطبعها على صفحة الأيام وعلى خد الحياة لتظل وميضاً يحدث عنا وشاهداً على أداء رسالتنا في الحياة، ونبراساً لمن يأتي بعدنا.
لا بد لك إذن من بصمة في سجلات الحياة، فالبصمة العامة التي يجب ألا تفوت على الجميع أن يعيش الإنسان لنفسه ولغيره وأن يبصم بالوفاء والإخلاص وحب الناس والعمل من أجل الكل.
فالحياة حلوة وجميلة حينما تكون هادئة ومستقرة، وتكون أكثر روعة حينما تحفها المحبة والصدق والشفافية وحب الخير للغير، وحينما تهب عليها نسائم الرحمة والمودة والتراحم بين الناس، حينما يحس الأفراد أنهم أعضاء في جسد واحد، ويشعر الجسد بما يؤلم أعضاءه ويوجعهم.
نعم.. الحياة حلوة وجميلة لكنها تمر سريعاً كالسحاب المسافر، ولابد أن تصبح حياة تحمل بصمة كل منا وتوقيعه وأثره ونفسه وروحه، لكي يحياها كما هي، ويعيشها اللاحقون من بعد السابقين ويلمسوا فيها نكهتنا وملامحنا وبصماتنا، وذلك من خلال إخلاصنا في قبول الآخر، وإعطائه مساحة رحبة في صدورنا ونفوسنا وحياتنا، وهذا يعتبر جزءاً من بصماتنا الاجتماعية، وإخلاصنا في الحب والاعتقاد بأن رحابة الحياة تسعنا جميعاً هو ملمح من ملامح البصمة التي نعنيها.
هذا هو سر نجاحنا في الحياة، فالبصمة والخصوصية والتميز والانحياز للحب والوفاء واستيعاب الآخر هو سر النجاح في الحياة، وليس الركض خلف الماديات وارتفاع الأرصدة وتكدس الأموال، كما أن الإخلاص في العمل والتعامل هو سر من أسرار النجاح في الحياة. ومن أبرز أسرار الحياة، أن نفهمها جيداً، ونتعاطى معها بناء على حقيقتها، من خلال اعتقادنا أن الموت ليس نهاية الحياة، ولكن تظل الحياة مستمرة بعد موت كل فرد ويظل وجودا، ويظل وجود الفرد بعد موته مرهوناً ببصمته.
الفهم الصحيح للحياة لا يتوقف عند هذه الحدود آنفة الذكر، بل يتعدى ذلك إلى فهم محتوى التساؤل عن من نحن وماذا نريد من الحياة.. هل دورنا أن نأكل ونشرب ثم نموت أم أن هناك دوراً يجب أن يعرفه كل فرد ليقوم به من الزاوية التي تليه دون الدخول في صراع قد يذهب بكل مدخرات الفرد من البصمات المميزة؟ كما أن طموح الفرد والمجتمع جزء لا يتجزأ من بصمته، ولا حياة للفرد بلا طموح، ولا طعم لحياة يعيشها خالية من الطموح والتطلع والسعي للإنجاز والتميز ولو بقدر محدود، المهم البصمة المميزة، والتفرد والنظرة الطموحة إلى المستقبل، وهذا أبرز وأهم سر من أسرار النجاح في الحياة، الذي هو نجاح لما بعد الحياة، وهو نتاج الفهم الواقعي لها، والتعاطي معها وفقاً لهذا الفهم، والسعي لاستثمار كل ما هو متاح من أجل تطويق مشكلاتها، وتوظيف لحظاتها، بهدف ترك بصمة خالدة في جنباتها تعني النجاح في مشوارها الطويل. ولا بد من اقتران ذلك الإيمان بالله والقضاء والقدر والعمل بالأسباب.