إن الغاية من توقيع العقوبة على مرتكب الجريمة نظاماً، هو الردع الخاص بمعنى تحذير الجاني من مغبة العودة للجريمة مرة أخرى، والردع العام بمعنى تنبيه الناس أن المضي في طريق الجريمة والانحراف مآله اللفظي والعقاب الشديد ولعله إنذار ووعيد لك من تسول له نفسه الأمارة بالسوء الدخول في حومة الانحراف المقيت.
وأن الغاية من توقيع العقوبة على مرتكب الجريمة (اجتماعياً) هو التناول الشمولي لعملية الإصلاح والتهذيب وتبدأ بالعمل على تنمية ملكات الذات الفردية وهي ملكات جسمية وعقلية ونفسية وأخلاقية واجتماعية.
والفرد بملكاته هذه يوجد - كياناً - في بيئة اجتماعية تستثير فيه نشاطه (إيجابي - سلبي) وتتيح له فرصة التعليم والعمل والعيش والاستقرار.
وتدور الأنشطة التعليمية حول محاور خاصة باهتمامات الفرد الرئيسة مع مراعاة تأثيرات الوسط الاجتماعي، وجماعات العمل ومنظمات المجتمع الرسمية والمدنية التي تعمل على اكتشاف إمكانات البيئة والاستفادة بمكانتها في خدمة وتنظيم المناشط التعليمية، ومراعاة سيكولوجية الفرد ومكتسباته القيمية والأخلاقية.
وهذه مبادئ علمية رهينة تنهض عليها عملية الإصلاح والتهذيب والتأهيل.. ولم يعد يكفي لإصلاح الجاني أن يوقع عليه عقوبة الحبس أو الجلد فهو يحتاج إلى تأهيل نفسي واجتماعي وقيمي.
وفي هذا المقال لن نتعرض للعقوبة في حد ذاتها فهي شأن مختصين غيرنا، لكننا نتناول أسلوب تطبيق العقوبة من وجهة نظر اجتماعية، ودافعنا لهذا هو ما نلحظه من بعد المسافة بين صنع قرار العقوبة وممارسة التنفيذ.
إن ممارسي تنفيذ العقوبة يستخدمون أساليب (استاتيكية) على الرغم من مفهومات (دينامية) حديثة، وهي نتاج دراسات وبحوث ميدانية وتطبيقية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مفهومات: العدالة الناجزة، العقوبة المعنوية، العقوبة الموقوفة، العلاج السلوكي للمنحرف، العلاج بالعمل، الرعاية المستدامة (من لحظة دخول المؤسسة العقابية واللاحقة إلى الإفراج في البيئة التطبيقية وغيرها من أساليب تستهدف علاج وتأهيل المنحرف ليعود لتيار المجتمع وقد اكتسب دوراً وظيفياً يمكنه من التفاعل السوي مع منظمات المجتمع وأنساقه بغية إشباع حاجاته وحاجات أسرته الأساسية.
فالعقوبة ليست ثأراً من الشخص الذي حاد عن جادة الصواب، أو أنها مجرد إيلام لمن سلك طريق السلوك غير السوي، أو أنها تفرض واقعاً نظامياً محدداً سالباً أمن الإنسان، لكنها ذات ضمانات قيمة وأخلاقية وذات مبادئ تعكس ثقافة المجتمع وأهدافه وقضاياه التي تحقق له الصالح العام في ضوء قيم وتوجهات الشريعة الإسلامية الغراء التي تمكننا من التصدي لحالات تناقض وتضارب المصالح أو لأوجه الفساد التي تقود لفساد العلاقة بين الفرد والدولة من خلال ممارسات سلبية غير سوية أو فرص معتقدات شخصية وليست قواعد أخلاقية.
ونود أن نوضح أن أساليب تطبيق العقوبة متغيرة بطبيعة الحال نتيجة التأثيرات الاجتماعية والعلاقات السببية والتغيرات الاجتماعية والسلوكيات غير السوية ذات الفهم في إشباع الحاجات الأساسية، وان الجريمة نشاط ينتج عن اتجاهات تشكلها عوامل اجتماعية وهي بمثابة مصادر محركة للفعل. وحين يكون الفعل مناهضاً للمجتمع فينتج عنه ممارسات غير سوية في العلاقات الإنسانية، ومن هنا تكون العقوبة معالجة للأخطاء وثمة بعض من الآليات تتعلق بمسرح العقوبة نذكر منها (تكلفة الجريمة)، وجدوى الحبس طويل المدة، وصياغة المناشط العلاجية داخل المؤسسة الإصلاحية واعتدادها للبيئة الطبيعية، ومضامين (العمل العقابي) وتنظيم إدارته، و(الممارسات الاجتماعية) ذوات الصلة المرتبطة، وإيجاد أساليب وأجهزة جديدة تقوم بتنفيذ العقوبة كلياً أو جزئياً مع الالتزام (بقواعد التحليل) ومناهج التقويم للممارسات العقابية في الداخل والخارج، وفي هذا الصدد يلح علينا سؤال، هل ثمة علاقة بين مضمون العمل العقابي، وتنظيم وإدارة تنفيذها؟
الإجابة نعم حيث أمكن المضمون من الردع العام والخاص إلى كونه التزاماً بثقافة المجتمع وغاياته وقضاياه في سبيل تحقيق الصالح العام لكل من الفرد والجماعة والمجتمع، وحيث يدور تنظيم وإدارة العقوبة حول معالجة المدخلات والممارسات والمخرجات مع الوضع في الاعتبار تكلفة الجريمة خصوصاً فيما يتعلق بالموقف الأجانب وكم تنوعت الجرائم إلى ما يربو على الخمس عشرة نذكر منها: السرقات، والتزوير، والقتل، والتحرش الجنسي، والمخدرات، وصنع الخمور، والدعارة، والقتل، وأخطاء المهنة.. إلخ.
ومرتكبو هذه الجرائم معظمهم أجانب يحكم عليهم قصاصاً أو تعزيراً، ويمضون فترة طويلة بالسجون، وهي باهظة التكاليف نظراً لتحول السجين من منتج إلى مستهلك، وبهذه الطريقة يضيع على المجتمع عائد العمل، كما يضيع على أسرته تكاليف معيشتهم فيصيرون عبئاً مضافاً إلى الدولة هي الأخرى فضلاً عن سد حاجاته الأساسية داخل السجن من (ملبس ومأكل ومشرب وتطبيب، ومناشط حراسة داخلية وخارجية وازدحام السجون ورفع طاقتها الاستيعابية فوق المقرر والمعتاد) فضلاً عن تكلفة الجهاز الفني والإداري في هيكل الدولة بكل فئاته وتخصصاته ومستوياته على الصعيد الهيكلي المؤسسي أو المركزي.
فضلا عن هذه التكلفة المادية التي تعد عالية في بلدنا - لعوامل كثيرة - فإن الجريمة في حد ذاتها مسألة معقدة للغاية لأنها ذات أوجه مختلفة ومعطيات عديدة، ولذا يحاول كاتب المقال الاجتهاد - قدر الاستطاعة - فإيجاد وسيلة لتجنب تعقيدات تنفيذ العقوبة، وترفع عنا في مسألة تنفيذ العقوبة حيث المراكز المكانية والمواقع الترابية فضلاً عما نحن بصدده وهو خفض تكلفة الجريمة، حيث توصلنا إلى إمكانية تحقيق ذلك من خلال الشبكات الاجتماعية بحسب الاتفاقات الدولية والإقليمية، وهناك علاقة وثيقة بين العمل العقابي وهذه الشبكات.
هذان العاملان: العمل العقابي، والإطار الاجتماعي يحددان التراتيبة الاجتماعية في تنظيم وإدارة تنفيذ العقوبة ما يترتب عليه توجيه الممارسات وهيكلة العمل العقابي مما يتوجب معه إعادة النظر فيما هو قائم من تنظيم وما هو اجتماعي في التطبيق والخروج من ذلك بتشكيل نظامي علمي يعتمد على المصلحة الاجتماعية التي ترتبط بالوسيلة وإمكانية التحقيق والقدرة على إيجاد دور تطويري في نطاق الشبكة الاجتماعية المنوه عنها بحيث يكون الجديد في مواجهة المكتسب، ولذا نقترح أن يتم تنفيذ العقوبة على الأجنبي في بلده الذي يتوجب ترحيله إليه عقب صدور الحكم عليه أو عقاب بديل عن السجن والتوقيف كالجلد والغرامة ومنعه من دخول البلد عن طريق البصمة حيث التأثيرات العلاجية في بيئته الطبيعية ستكون ذات مردود أفضل حيث إن الممارسات العقابية متنوعة بحسب اختلاف البيئات الاجتماعية، وبناء عليه فإن الجاني إذا خضع لممارسات عقابية (علاجية) منفصلاً عن بيئته الطبيعية فإنها لا تجري ولا سيما في مجال الردع الخاص، حيث تتعلق - ولو جزئياً - بالنشاط الشعوري للمحكوم عليه، وحينئذ تحدث أثراً ذا معنى في حل مشكلة السلوك غير السوي، ولن تستمر بالقدرات الضمنية لتحقيق نتائج مرجوة، وإزاء ذلك نقترح عقد لقاء حواري بأكاديمية نايف للعلوم الأمنية يضم أهل الخبرة والاختصاص لمناقشة هذا المقترح وتطويره بحيث لا ينفصل مضمون العمل العقابي عن إطاره المؤسسي.