التراث الشعبي لأي أمة من الأمم هو ماضيها بقيمه ومبادئه وتقاليده وعاداته، وكل أمة تعتز بتراثها وتحاول أن تحافظ عليه لأنه يرمز لأصالتها والأمة العربية غنية بتراث مليء بكل شيء انطلق في أجواء بيئته ومن خلالها تشكل في صور متعددة حسب ما تفرضه حاجات الإنسان.. فالتعليم هو محور التراث الرئيسي كان حاضراً في أروقة التراث وتم تقديمه بالطريقة والقدرات المتاحة من خلال الكتاتيب والتي عادة تأتي بمبادرات تطوعية وخصوصاً في الوقت الذي لم يكن فيه يوجد تعليم نظامي، فلهذا كانت الوسائل والطرق التي يتم فيها التعليم تستند إلى مصادر التعلم التراثية في ذلك الوقت والتي تعود بالدرجة الأولى إلى معلم الكتاتيب الذي يتفنن في إبداعها وما يصحبه من تفنن في طريقة إلقاء درسه.. وطريقة الكتاتيب تختلف من بيئة إلى بيئة، ففي الخليج العربي يطلق عليه بالمطوع أو المطوعة، باعتبار أن أهم شيء يجب أن يتعلمه الإنسان هو القرآن الذي يقوم بتعليمه فئة محددة من الناس وهم الذين عندهم قدر لا بأس به يمكّنهم من تعليمه لأبناء البلدة التي يقيمون فيها ومن خلال بيوتهم حيث يرسل الآباء الأبناء والبنات إليهم لأجل تعليمهم وهذا النمط التراثي أسهم في جعل الثقافة العربية حاضرة (لأن التعليم التراثي) نور الإنسان وغرس فيه حب القراءة والكتابة، وأهم شيء الذي احتوى هذا التعيلم التراثي القرآن الكريم وذلك المخزون العظيم الذي يحفل به ويتفاعل مع كل ما ينفع الإنسان وينمي قدراته البلاغية واللفظية ويرسم له المناخ الذي يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة.. ونستطيع أن نقول إن هذا القرآن هو القاسم المشترك الذي جعل تراث الأمة العربية يستمر ويتواصل فيما بينها ويجعله حاضراً بين الثقافات الأخرى وبقوة لأن مكوناته الفطرية هي الملائمة للفطرة البشرية كافة. أيضاً من صور التراث التي عاشها المواطن العربي السكن الذي يؤوي إليه سواء كان في البر أو في القرى والهجر نجد أنه أبدع في تصميم خيمته ومسكنه بطريقة جمالية أكسبها الكثير من الزخارف والأشكال التي يصعب محاكاتها ممن هم خارج بيئة التراث، كذلك الأمور الأخرى ومن أهمها الزراعة والتي تعتمد طريقة الري البدائية وتحويل المنتوجات الزراعية ومخلفاتها إلى اقتصاد زراعي.. أيضاً الحرف والصناعات اليدوية كانت حاضرة في تراثنا العربي قديمه وحديثه ولكنها في عصرنا الحاضر أصبحت نادرة وذات قيمة أشبه ما تكون بالخيالية. وخلاصة القول إن التراث بما فيه من كلمات وحكايات وأشعار وأغان ومعتقدات وقصص وألعاب ما هو إلا نسيج واحد ينمي ثقافتنا العربية ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون منتقصاً لحضارتها، بل هو سر تواجدها بين الحضارات وهو من أهم مقومات الأمة العربية وعنصر متمم لسماتها، لا نرضى أن يقتصر وجوده على لوحات المتاحف، بل لابد من امتزاج وجوده بحركة حياتنا المتجددة والمؤسسة التعيلمية هي الموطن الطبيعي لإحياء التراث العربي بوصفه مصدراً من مصادر الثقافة العربية ينبغي أن يتسع المنهج المدرسي لنماذج منه ترسخ عند الطلاب حب التراث والتعلق به، فمهرجان الجنادرية والمهرجانات الأخرى التي تقام في الوطن العربي تمثل شفقة وحباً لهذا التراث وتشحذ الهمم في التشجيع على استمراريته جيلاً بعد جيل لأنه يمثل ماضي هذه الأمة وحاضرها وله دور مهم في تنمية الثقافة العربية، فالفعاليات التي تصاحب إقامته أهم مصدر لتنميتها.
والله من وراء القصد،،،