سعادة رئيس تحرير جريدة (الجزيرة) المحترم
تحية فائقة وبعد..
لقد اطلعت على ما كتبه الأستاذ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ في عدد الجزيرة رقم (13375) الصادر في 17-5-1430هـ تحت عنوان (التعميد المباشر يجب أن يكون استثناء) وفي الوقت الذي أشيد فيه بموضوع المقال إلا أني أحب أن أبين الآتي من الناحية النظامية:
أولاً: ما تطرق إليه الكاتب -وفقه الله- في مقاله يتركز حول موضوع المنافسة على المشروعات الحكومية، ويطيب لي أن أذكر بصدور نظام المنافسات والمشتريات الحكومية بالمرسوم الملكي رقم (م58) المؤرخ في 4-9- 1427هـ.
كما أذكر بصدور اللائحة التنفيذية لهذا النظام بقرار معالي وزير المالية ذي الرقم (362) المؤرخ في 20-2-1428هـ.
ويهدف النظام ولائحته إلى جملة من الأهداف منها:
1- تنظيم إجراءات المنافسات والمشتريات التي تقوم بها الجهات الحكومية ومنع تأثير المصالح الشخصية فيها وذلك حماية للمال العام.
2- تحقيق أقصى درجات الكفاية الاقتصادية للحصول على المشتريات الحكومية وتنفيذ مشروعاتها بأسعار تنافسية عادلة.
3- تعزيز النزاهة والمنافسة، وتوفير معاملة عادلة للمتعهدين والمقاولين تحقيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص.
4- تحقيق الشفافية في جميع مراحل إجراءات المنافسات والمشتريات الحكومية.
وقد جاء هذا النظام ولائحته منظماً لما يتعلق بطرح الأعمال الحكومية سواء بمنافسة أو بغير منافسة تنظيماً دقيقاً وصارماً وأناط هذا النظام بلجنة فحص العروض في كل جهة حكومية النظر في العروض المقدمة وفق أحكام هذا النظام ولائحته، وأوجب النظام وجود مستشار قانوني ضمن أعضاء هذه اللجنة لمراقبة حسن تنفيذ الأنظمة واللوائح.
ثانياً: أورد الكاتب -وفقه الله- مصطلح (التعميد المباشر) وهذا المصطلح لا وجود له من الناحية النظامية لأن الأصل هو طرح جميع الأعمال والمشتريات الحكومية في منافسة عامة عدا ما يستثني من المنافسة بموجب أحكام نظام المنافسات المشار إليه أعلاه، إلا إذا كان الكاتب يقصد مصطلح (الشراء المباشر) فإذا كان هذا هو المقصود فإن هذا النوع من التعامل له أحكامه النظامية التي تنظم العمل به وذلك عندما لا تتجاوز قيمة الشراء (مليون ريال) ويشترط أيضاً هذا النظام الحصول على ثلاثة عروض على الأقل، وتقوم بفحصها لجنة تكون لهذا الغرض، مما ينفي أن يتم تعميد شركة معينة دون منافسة من شركات أخرى.
كما أحب أن أبين (أن أحكام) المستثنى من المنافسة العامة بموجب نظام المنافسات حتى لو تجاوزت تكلفة الأعمال والمشتريات فيها صلاحية الشراء المباشر قد جاءت مفصلة في النظام ومحصورة في خمس حالات لا يجوز الخروج عنها وهي الأسلحة والمعدات العسكرية وقطع غيارها، والأعمال الاستشارية والفنية والدراسات ووضع المواصفات والمخططات والإشراف على تنفيذها وخدمات المحاسبين والمحامين والمستشارين القانونيين، وقطع غيار الآلات الميكانيكية والكهربائية والإلكترونية والمعدات، والسلع والإنشاءات أو الخدمات التي لا تتوافر إلا لدى متعهد أو مقاول واحد ولم يكن لديها بديل مقبول، والمستلزمات الطبية المطلوبة عاجلاً في حالات ظهور أوبئة.
كما نص النظام على عدم الاقتصار على عرض واحد في بعض هذه الحالات الخمس بل يجب دعوة ثلاثة على الأقل من الشركات لتقديم عروضها ومن ثم دراستها واختيار الأفضل من بينها فيما تراه الجهة الحكومية.
وفي الحالات التي لم ينص النظام فيها على ذلك نجده إما أنه ربط الموافقة على عرض الشركة بموافقة رئيس مجلس الوزراء (كما في الحالة الأولى)، وهذه أكبر ضمانة للنزاهة والشفافية، وإما أنه سكت عن ذلك تقديراً للضرورة كما في حالات توفير مستلزمات طبية عند ظهور أوبئة لا قدر الله.
ثالثاً: تبين من استعراض ما سبق أنه لا يوجد مصطلح (التعميد المباشر) الذي أورده الكاتب -وفقه الله- وإنما يوجد مصطلح (الاستثناء من المنافسة) ولها أحكامها الدقيقة المنظمة لها والتي لا تخرج في الغالب عن طلب عدة عروض، وكذلك مصطلح (الشراء المباشر) وله أيضاً أحكامه المفصلة والتي لا تخرج أيضاً عن طلب عدة عروض.
رابعاً: أورد الكاتب هذا النص (لذلك تلجأ بعض الجهات الحكومية إلى دعوة شركة معينة تمتلك الأهلية الفنية والمالية، وترسية المشروع عليها دون منافسة) وأحب أن أؤكد أنه لا يوجد في نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية ما يجيز ذلك بل قد وردت نصوص نظامية في عدد من مواده تمنع من ذلك وتؤكد أن الأصل هو المنافسة على المشتريات والأعمال الحكومية إلا ما استثني، وسبق بيان أحكام هذا المستثنى بأنه يتم عبر دعوة ثلاث شركات على الأقل لأجل المنافسة، مما يؤكد بشكل قاطع عدم صحة ما ذهب إليه الكاتب من الناحية النظامية.
خامساً: أورد الكاتب -وفقه الله- الآتي: مثل هذه الطريقة - يقصد دعوة شركة معينة- في ترسية بعض المشروعات لا يمكن إلغاؤها قطعياً بسبب طبيعة بعض المشروعات، الأمر الذي يجعل الجهة الحكومية (مضطرة) لإلغاء المنافسة، وتنفيذ المشروع بطريقة (التعميد المباشر).
وهنا أجد بعض الخلل من الناحية النظامية في ترتيب مثل هذه العبارات فقوله (لا يمكن إلغاؤها قطعياً) غير متوجه نظامياً لعدم وجود مثل ذلك من الناحية النظامية كما أسلفت، بل إن النظام ينص على إلغاء مثل تلك التصرفات، فمتى (ثبت) دعوة شركة أو مؤسسة واحدة وترسية المشروع عليها فإن في ذلك تجاوزاً للأنظمة واللوائح ويكون المسؤول عن هذا التصرف عرضة للمساءلة التأديبية والجزائية وفق أحكام النظام.
كما أن قوله: الأمر الذي يجعل الجهة الحكومية (مضطرة لإلغاء المنافسة) وهنا كيف يمكن للجهة الحكومية أن تلغي منافسة لم تعلن عنها أساساً، بل إن الكاتب قد أشار إلى عدم وجود منافسة في مثل هذه الطريقة، إلا إذا كان يقصد عدم الأخذ بأسلوب المنافسة لا إلغاءها، لأن الإلغاء إنما يكون لشيء موجود والمنافسة لم تكن موجودة حسب رأي الكاتب.
سادساً: أحب أن أطمئن الكاتب - وفقه الله- إلى أن الاستثناء من أحكام نظام المنافسات والمشتريات الحكومية لا يكون إلا عن طريق الرفع لرئيس مجلس الوزراء لتكوين لجنة من وزير المالية والوزير المختص واثنين من الوزراء لدراسة الموضوع مع تحديد محل الاستثناء ومبرراته والرفع بما يرونه للمقام السامي للتوجيه بما يراه مناسباً.
وفي هذا ضمانة كبرى لعدم الاستثناء من أحكام هذا النظام إلا بمبررات قوية تستدعي مثل ذلك الاستثناء.
وهكذا نجد حرص المنظم ودقته في وضع أحكام هذا النظام بما في ذلك الأحكام المتعلقة بالطرح بلا منافسة ويبقى دور المواطن والموظف الأمناء عند وجود أي خلل.
وبهذه المناسبة أتمنى تفعيل دور الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد سريعاً للكشف عن أي فساد إداري أو تجاوز في تطبيق الأنظمة واللوائح.
هذا ما أحببت توضيحه وأنوه إلى أني لست من منسوبي وزارة المالية والتي يعنيها بشكل كبير توضيح ما ورد في المقال وإظهار مدى حرص المنظم على توفير مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة والعدالة بين جميع من يرغب في المنافسة على المشروعات أو المشتريات الحكومية، وخاصة أن هذا النظام يعد من أبرز الأنظمة التي تحقق بشكل كبير جميع الأهداف التي وضع من أجلها، فشكراً لمن ساهم في صياغته أو صياغة لائحته، وشكراً للكاتب مرة أخرى على مثل هذا الطرح مع تمنياتي بمراعاة الدقة مستقبلاً.
د. خالد بن محمد اليوسف
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية