قراءة - محمد بن عبدالعزيز الفيصل
بون شاسع بين كتابٍ وكتاب، بين دراسةٍ ودراسة.. فمن سيدلف إلى إحدى المكتبات فسيرى العجب!، إصدار شدّ صاحبه الرحال بين المدن والعواصم ليبحث عن نص مفقود أو مخطوطة نادرة ليعكف بعد هذه الجولة (المضنية) على البحث والدراسة والتحقيق والتدقيق ليهدي القارئ (كتاباً).. نعم، بكل ما تحمله هذه اللفظة من معنى... وبين مُؤلّفٍ آخرٍ ليس له من اسمه نصيب.. مجرد صفحات مملوءة بسواد يعلوها عنوان هذا هو أبسط تعريفٍ (منطقي) يمكن أن أطلقه عليه، وهو في نهاية المطاف (كتاب) مع الأسف الشديد. المقامات المشرقية (550 - 1200هـ), كتاب يقع في 720 صفحة من القطاع المتوسط غاص مؤلفه القدير الأستاذ الدكتور خالد بن محمد الجديع داخل غياهب هذا الفن (المقامة) باذلاً جهده ووقته وماله في سبيل العلم، فجال المكتبات داخل المملكة وخارجها بحثاً عن تلك المخطوطات (المقامية) فلقي التجاوب من أكثر هذه المراكز كمكتبة الأزهر، ودار الكتب المصرية بالقاهرة، ومركز الوثائق والمخطوطات في الجامعة الأردنية، ومكتبة الأسد بدمشق، ومكتبة برلين، ومكتبة جوتا بألمانيا، والمكتبة الوطنية بباريس، ومكتبة الأسكوريال بإسبانيا، ومكتبة جامعة برنستون بأمريكا، ومكتبة جامعة مانشستر بإنجلترا، والمكتبة الملكية بفيينا.
ويكشف هذا البحث (الرصين) عن تلك الفترة المعتمة من سيرة (المقامة) وهي المرحلة المهمة والمهملة من تاريخ هذا اللون النثري (العريق) في المشرق العربي.. سبعة قرون استنفد فيها د. الجديع جميع طاقاته وإمكاناته المادية والمعنوية ليكشف المستور ويصف البارز في تلك الأزمان رحلة شاقة تقهقر المؤلف في غياهبها بداية من القرن السادس حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري وتكللت هذه الرحلة بتوفيق الله وعونه بالنجاح الباهر.يشير د. خالد في مقدمة كتابه بموضوعية وتجرد إلى نوعية هذه المقامات التي يقصدها بالدراسة قائلاً: (ولن أكيل -هنا- الثناء والمديح لتلك المقامات في فترة زمن الدراسة، جاعلاً ذلك سبباً من أسباب اختياري لهذا الموضوع؛ ذلك أن تلك المقامات منها الجيد الجزل، ومنها ما دون ذلك، ومنها ما يشتمل على تكلف واضح وتعقيد منفر، وإنما الهدف من دراسة هذا اللون في تلك الفترة هو وضع تلك المادة الضخمة من المقامات التي لم تعالجها يد الدراسة في ميزان التقويم. لقد جاءت الدراسات -في غالبها- إما مقتصرة على البديع أو الحريري، وإما عامة تتناول هذا الفن بشكل شامل دون أن تقف عند فترة بعينها محاولةً استخلاص أبرز سماتها وخصائصها المقامية).
وقد صَدّر د. الجديع هذا المجلد الضخم بتمهيدٍ وقف خلاله على تعريف المقامة لغوياً واصطلاحياً بالإضافة إلى عرضٍ موجز لنشأتها وتطورها مناقشاً في سياق ذلك وجهة نظر من يرى أن البديع ليس مخترع هذا الفن، محصياً كُتّاب المقامة بعد الحريري خلال الفترة من 550 حتى 1200هـ - وهي التي عني بها هذا البحث المتميز - مختتما التمهيد بالإشارة إلى أثر مقامات الحريري فيما بعدها من المقامات، لينتقل بالقارئ إلى الباب الأول من هذا الكتاب ليدلف إلى الدراسة الموضوعية العميقة للمقامات التي ابتدأها بمدخل ألمّ فيه باتجاهاتها وأغراضها وطبيعتها في تلك الفترة من زمن الدراسة، أما الفصل الأول فقد خصصه المؤلف للحديث عن مقامات (الكدية) وقد كشف فيه عن أبرز كتاب هذا اللون من المقامات وعن مسالكهم التي طرقوها في معالجته، مفصلاً القول في كل ما أضافوه من جديد على هذا الفن.
ويأتي الفصل الثاني متناولاً (القص) بصفته الموضوع الذي انساق خلفه العديد من أرباب المقامة، فانبثق بقوة في مقاماتهم فكان القصاصون المحترفون قد أدخلوا الأساطير وقصص العجائب داخل بناء المقامة، ويشير د. الجديع خلال هذا الفصل إلى بعض من كتب المقامة القصصية ولم يحترفها.
ويعالج الفصل الثالث المقامة (الوصفية)، التي وصف بها المقاميون المدن والبلدان والأماكن ولم يغفلوا الرياض والبساتين والحيوانات وما إلى ذلك من أصناف الطبيعة، كما يبحث المؤلف في الفصل الرابع المقامة الوعظية التي بين من خلالها أن من (المكدين) من يعظ لأجل الحصول على المال، وصنف آخر يبتغي بهذا النصح وجه الله، ويشير إلى ذلك النوع من (المكدين) ممن تخصص في الوعظ فجاءت مقاماته في غالبها تعالج هذا اللون. ويأتي الفصل الخامس في هذا المجلد مفصلاً القول في المقامات العلمية وفيها ضرب المقاميون بسهم وافر، فتطرق المؤلف إلى المقامات الشرعية واللغوية وإلى غيرها التي تناولوا فيها بعض القضايا البلاغية أو النقدية كما لم يغفل الإشارة إلى علم الطب الذي أولوه جانباً من عنايتهم كما أشار المؤلف. أما الفصل السادس فجاء مشتملاً على عدة أنواع من المقامات؛ قسمها المؤلف على عدة مباحث وهي: مقامات المديح، والفكاهة والمجون، والهجاء ونقد المجتمع، والسفسطة والجدل. بعد ذلك ينقل المؤلف القارئ إلى الشق الآخر من هذا الكتاب وهو الدراسة الفنية في الباب الثاني؛ الذي أطنب الحديث فيه عن بناء المقامة في أول فصوله، الذي قسمه إلى بناء قصصي وآخر غير قصصي، تعرض في الأول إلى الحديث عن الراوي والزمان والمكان والحدث والشخصيات والحوار والسرد، أما الثاني فقسمه إلى بداية ووسط ونهاية، ويشير في الفصل الثاني إلى لغة المقامة من دراسة للألفاظ والتراكيب ليقف عند علاقة اللغة المقامية بالبيئة ليختم هذا الفصل بمعالجة لموضوع تلازم اللغة والثقافة.ويحلق د. الجديع بالقارئ إلى الفصل الثالث ليدرس الخيال والصورة ليوضح أثر الخيال في رسم الصورة التي بين أنواعها لدى المقاميين، ولم يغفل دراسة الساكنة والمتحركة منها، ليكشف بعد ذلك عن المصادر التي استقوا منها صورهم، وقد خصص المبحث الأخير في هذا الفصل للحديث عن علاقة الصورة بالمعنى.أما الحديث عن المحسنات البديعية لدى المقاميين فقد درسها المؤلف في الفصل الرابع فكان المبحث الأول منه مخصصا لمعالجة موضوع الصنعة البديعية لديهم، في حين تناول الثاني ألوان البديع يتصدرها السجع والجناس والتورية والاقتباس والطباق، أما التقويم والموازنة فقد أفرد لها المؤلف الفصل الخامس والأخير الذي أوضح فيه آراء النقاد القدامى في مقامات الفترة المدروسة، ويشير إلى الآراء النقدية الحديثة ويتحاور معها بعناية، أما الموازنة فكانت بين مقامي مشرقي هو ابن الوردي ومقامي أندلسي وهو لسان الدين بن الخطيب.
هذه لمحة مقتضبة لهذا الكتاب المتميز والذي سد ثغرة في تاريخ المقامات عمرها قرابة السبعة قرون، فعلاً إنه جهد يستحق الثقة والتقدير وهي دعوة صادقة إلى الهيئات العلمية واللغوية لتكريم هذا المؤلف القدير على هذا الجهد الاستثنائي (المقامات المشرقية)، ومع كل ذلك وذاك هذا ليس بمستغربٍ على رجل علم ومعرفة كالأستاذ الدكتور خالد الجديع، الذي لا نملك إلا أن نقول له شكراً نيابة عن المثقفين واللغويين في العالم العربي.