من خلال الاستقراء لآيات الله الدقيقة وإشارته البديعة يستنتج المرء أن من جملة الشاهدين لله بالعبودية الحقة العلماء وهذا صريح قوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ}فهم أوعية العلم والمعرفة وبهم يصل الإنسان إلى مدارج الهدى والرشاد وإن مطالعة تراجم العلماء والتعرف على سير حياتهم وجهادهم له من الفوائد العظيمة التي تجعل طالب العلم سائراً على ما كان عليه العلماء من تعلم العلم والعمل به والصبر على الأذى فيه.
الكتاب الذي نحن بصدد تقديم قراءة موجزة عنه هو في الأصل رسالة قدمها الشيخ الدكتور محمد بن عبدالعزيز الثويني لنيل شهادة الدكتوراة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهي بعنوان (الشيخ صالح البليهي وجهوده العلمية والدعوية) وقد حظي الكتاب بمقدمة لمعالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي قال فيها لما علمت بعزم المؤلف على جمع المادة شجعته، وفي نفس الوقت رثيت له لما سيتكبده من جهد في الحصول على المراجع، فلما انتهى من التأليف انقلب الرثاء إلى إعجاب بل عجب من الإعجاب في قدرته على جمع المادة.
الشيخ صالح البليهي من العلماء الذين كان لهم جهود علمية ودعوية كبيرة، وقد كسب ثقة أئمة هذه البلاد المباركة لما لدوره الرائد في النهضة العلمية والثقافية في منطقة القصيم حيث تخرج على يديه طليعة من العلماء وفي قراءتنا لهذا الكتاب نطالع صورا لجوانب كثيرة من الحركة الفكرية في هذه المنطقة وتطورها عبر السنين فنستنطق الأحداث عبر مواقفه في مواجهة التيارات الفكرية الهدامة والمبادئ المنحرفة، ولقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة تبين أهمية هذه الدراسة، وإن أسباب اختياره للموضوع هو سعة علم الشيخ البليهي وجهوده المتميزة في الدعوة إلى الله وأسلوبه الذي يتسم بالسهولة واللطف وسلامة العبارة، ثم بين المؤلف منهجه في البحث، وقام بجهد كبير في حصر مؤلفات الشيخ ودروسه ومحاضراته ومشاركاته الصحفية وتفريغ المادة المسجلة وتوثيقها من أفواه الرواة التي بلغت قرابة 600 صفحة، ثم قام باستنباط الدروس الدعوية من حياته وإظهار منهجه وجهده من خلال آثاره وما كتب عنه، ثم تطرق لسيرة الشيخ الذاتية والعلمية ملقياً الضوء على نسبه ونشأته وطلبه للعلم ومشايخه، وقد أوضح المؤلف أن الشيخ البليهي طلب العلم في صغره ثم توقف ولازم والده في التجارة والزراعة وفي العقد الثاني من عمره قرر العودة إلى طلب العلم بعد انقطاعه عنه، وذلك بمشورة أحد أصحابه وذلك في عام 1353 هـ حيث التحق بدروس الشيخ عمر بن سليم والشيخ العبادي والشيخ الخريصي والشيخ عبدالله بن حميد وغيرهم، ثم شرع المؤلف يستعرض مؤلفات البليهي مثل كتاب (عقيدة ا لمسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين) وكذلك ترجيحاته الفقهية عبر كتابه (السلسبيل) في معرفة الدليل، وكتابه (يا فتاة الإسلام اقرئي حتى لا تخدعي) والذي دافع فيه عن المرأة المسلمة وكشف فيه المؤامرات التي تحاك ضدها، ثم سلط المؤلف الضوء على دور البليهي في إنشاء الجمعيات الدعوية والاجتماعية الفاعلة ومشاركته في إلقاء المحاضرات والندوات وغشيان الأندية وتشجيع المراكز الصيفية والمشاركات الإذاعية والصحفية ليثبت حركية هذه الدعوة، وأنها لا ترضى بالجمود والدعة مما يحاول الأعداء إلصاقه بعلماء المسلمين فلا بد أن تكون الدعوة فاعلة ينزل بها صاحبها إلى الميدان يصحح واقعاً عملياً ملموساً مما جعل جهوده تحدث نقلة نوعية في المناشط الدعوية.
أخيراً وليس آخراً قبل أن أختم مقالي لابد أن أسطر وقفة وفاء للدكتور محمد بن عبدالعزيز الثويني الذي بذل جهداً كبيراً في هذا العمل الموسوعي الذي يعد إثراء ثقافيا لسير وتراجم إعلام بلادنا المباركة فنسأل الله العلي القدير أن يجزيه خير الجزاء على جهده وأن يبارك في علمه وعمله.
عبدالملك بن عبدالوهاب البريدي
مدير مركز علاقات الإنسان بالقصيم