Sunday 17th September,200612407العددالأحد 24 ,شعبان 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"ملحق اعلامي"

مقاصد الشريعة في الدعوة إلى الله تعالى مقاصد الشريعة في الدعوة إلى الله تعالى
د. فالح بن محمد الصغير (*)

لقد أكمل الله سبحانه وتعالى لنا الدين، وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا، فجاءت الشريعة كاملة، تامة، شاملة لجميع جوانب الحياة كلها، ولجميع متطلبات الإنسان فيها، سهلة ميسورة، محققة أعلى المصالح، ومفعّلة لها، دارئة المفاسد ومخففة لها، حافظة لضرورات الحياة كلها: الدين والنفس والعرض والمال والعقل، متممة لأعالي الأخلاق ومكارمها، ناشرة لكل فضيلة، محاربة لكل رذيلة، داعية إلى عمارة الكون المسخر للإنسان، محذرة من إفساده.
هذه المقاصد العظمى، جاءت الشريعة بضرورة تحقيقها، والسعي إلى ذلك، وبنيت أصول الشريعة وفروعها عليها، فلا تخالف مقصداً من هذه المقاصد مهما كانت الأحوال، فسنن الله تعالى في هذا الكون متسقة مع هذه التشريعات الموصلة إلى تلك المقاصد.
الدعوة إلى الله
وإن من أهم المبادئ لتحقيق الشريعة في الحياة، وتعميق العقيدة في النفوس مبدأ الدعوة إلى الله تعالى، وتشمل الدعوة من الكفر إلى الإسلام، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن العمل المفضول إلى العمل الفاضل، ومن كل شر إلى كل خير، ومن المفاسد إلى المصالح. مع العلم بأن دور الدعاة هو البلاغ والإرشاد وهداية الدلالة فقط، دون هداية القلوب؛ لقوله جل وعلا: (إنَّك لا تَهدِي مَنْ أحبْبَْتَ وَلكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أعْلَمُ بالمُهْتَدِينَ).
بهذا المبدأ العظيم (الدعوة إلى الله تعالى) بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأرسل إلى الناس كافة، بشيراً ونذيراً. فحددت معالم دعوته، ومقاصدها العظيمة، التي لا يجوز لمن اتبع محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحيد عنها.
وصدق المولى جل وعلا إذ يقول مخاطباً عباده المؤمنين :(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُوا ِللِّه ولِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُم لِماَ يُحْييكُمْ وَاعْلَمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمرَءِْ وَقلْبهِ وَأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشرَوُنَ)، ويقول جلا وعلا مخاطباً الناس أجمعين مبيناً أن صلاح دينهم ودنياهم في طاعته واتباع رسله: (يَا أيُّهَا النَّاسُ قدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ باْلحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ)، ويقول سبحانه: (يَا أيُّهَا النَّاس قدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأنزَلْنَا إَليْكمْ نُوراً مُّبينًا - فأمَّا الَّذِينَ آمَنواْ باللّهِ واعْتَصِمُوا بهِ فسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إلْيهِ صِرَاطاً مَّستْقَيِماً).
من مقاصد الدعوة إلى الله تعالى
أول تلك المقاصد، وأجل تلك الغايات: تحقيق عبودية الله تعالى فوق هذه الأرض:
جاء ذلك صريحاً في مواضع من كتاب الله تعالى، قال تعالى: (وَمَا خَلقْتُ الِْجنَّ وَاْلإنسَ إلَّا لِيَعْبُدُون)، وقال جل وعلا: (وَمَا أرْسَلْنَا مِن قبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلَّا نُوحِي إليْهِ أنَّهُ لَا إله إلا أنَا فاعْبُدُون)، وقال سبحانه: (ولقدْ بَعَثنَا فِي كُلَّ أمَّةٍ رَّسُولاً أن اعْبُدُواْ اللّه واجْتَنُبواْ الطَّاغُوتَ .. ) الآية.
وعلى هذا الأصل والأساس مدار الأمر كله، فدعوة الناس وتقوى الله وعمل الصالحات، وكل شأن من شؤون المسلم، إنما هو لتحقيق هذه العبودية، وعمارة الكون وفق مراده سبحانه، قال الله جل وعلا: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين).
وعبادة الله عز وجل تشمل كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ومن أجلّ مقاصد الشريعة في الدعوة إلى الله تعالى: المحافظة على الضرورات الخمس وهي الدين والنفس والعرض والمال والعقل، فقد جاءت الشريعة بحفظها، وعليها تقوم حياة الناس. ولم تحدث الفوضى وينتشر الانحلال في المجتمعات الغربية إلا جراء الإخلال بهذه الضرورات التي تحفظ حياة الناس من الاضطراب والهمجية، فلما قدسوا حرية الرأي - كما يرددون هذه الأيام تعليقاً على تطاولهم على خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم - اعتدوا على الأديان وأهدروا احترامها، ولما افتقدوا الإيمان الصحيح افتقدوا الأمان وشاعت الجرائم عندهم، ولما أشاعوا الفوضى الجنسية اختلطت الأنساب ولم يعد من فرق بين نسل الإنسان المحترم، ونسل الحيوانات، إلى غير ذلك من مظاهر الانهيار الاجتماعي والأخلاقي التي لم يفلح المال والسلطان في تفاديها بسبب إهدار احترام هذه الضرورات.
فما أحكمه سبحانه وأعد له وأرأفه بخلقه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).
ومن مقاصد الشريعة: نشر الفضيلة والخير ومكارم الأخلاق وقد جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبباً للخيرية والنجاة، فقال سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون)، وقال جل وعلا في قصة أصحاب السبت: (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون).
كما جاء في السنة المطهرة ما يؤكد الأهمية الشديدة لإشاعة الفضيلة ومكارم الأخلاق، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت لأتمم صالح الأخلاق)، وروى الحكم عن سهل بن سعد أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها).
بل جاء الترغيب الشديد الذي يؤكد هذه الأهمية في أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً )، ولدى الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم: ( خير الناس أحسنهم خلقاً)، إلى غيرها من الأحاديث الكثير الصحيحة المشهورة.
ومن المقاصد: رعاية مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم
فبهذا تكون عمارة الكون كما أراد الله سبحانه، بعيداً عن الأهواء المضلة، وحماية المجتمع من الفساد والانحراف، ومن ذلك: تحريم الربا الذي يؤدي إلى ظلم الناس وتحميلهم ما لا طاقة لهم به جراء جشع المرابين، وكذلك النهي عن الرشوة التي تعين على الظلم وضياع الأمانة والعدل بين الناس. وقد جاءت الشريعة بعامة بالنهي عن الإضرار بالآخرين، فالضرر يزال، ولا ضرر ولاضرار، وسد الذرائع المفضية إلى الشر والفساد مقدم على جلب المصالح، وفق ضوابط يرجع فيها إلى العلماء والفقهاء.
كما جاءت الشريعة بالنهي عن الغلو في الدين والتنطع، فقال صلى الله عليه وسلم:(هلك المتنطعون) وكررها ثلاثاً، كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه. وما ذاك إلا لعظيم خطر الغلو في تنفير الناس، وانحراف الغلاة عن صراط الحق بأهوائهم، كما جرى للخوارج قديماً، كما نرى في أحداث العنف والتفجير المعاصرة التي روعت الآمنين ولم يسلم من شرها الموحدون.
وقد شدد رسول الهدى النكير والوعيد على هؤلاء ووصفهم حتى يحذر الناس منهم، فقال صلى الله عليه وسلم- كما في البخاري عن علي - (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة).
فمن هذا كله نفهم أن من أهم مقاصد الشريعة في الدعوة إلى الله تعالى: المحافظة على المصالح العامة والسعي إلى تكثيرها ونشرها، وإزالة المفاسد والتخفيف منها. هداية الناس وإرشادهم
وهذا من أظهر مقاصد الشريعة، وهو دعوة الناس إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كما قال الله عز وجل وأوجب: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).
وبين رسوله صلى الله عليه وسلم حاله والدعاة من بعده في ذلك فيما رواه عنه أبو هريرة، فقال صلى الله عليه وسلم: (مثلي كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها) (متفق عليه).
فمن مقاصد الشريعة: طلب هداية الناس ونقلهم من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإسلام، ومن المعصية إلى الطاعة، قال تعالى: (ولعلهم يثقون).
البلاغ والإعذار إلى الله تعالى
قال الله عز وجل: ( فلولا كان من القرون من قبلكم
أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون). فبين سبحانه وتعالى أن تبليغ دعوته والنهي عن الفساد في الأرض من أسباب النجاة للدعاة والناس أجمعين.
وفي قصة أصحاب السبت قال سبحانه: (وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يثقون ( فلماً نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون). فهنا بين الدعاة أن في دعوتهم ونهيهم إعذارا إلى الله حتى ولو استبعد بعض الناس هداية المدعوين، كما أن لدى الدعاة الأمل في حصول هدايتهم، فكان جزاء هؤلاء الدعاة الناهين للمعتدين في السبت هو النجاة، بخلاف المعتدين المصرين الذين لحقهم العذاب، وأما الساكتون عن النهي فاختلف في تحديد مآلهم، فقيل: نجوا لأنهم لم يعتدوا مثل المعتدين، وقيل: لحقهم العذاب لسكوتهم عن النهي، وقيل: سكت عن بيان حالهم جزاء سكوتهم عن النهي.
ومن المهم أن يراعي الدعاة في عملهم ودعوتهم وفق هذه المقاصد، وسعياً إلى تحقيقها، أموراً مهمة، منها:
شرعية الأساليب المستخدمة في الدعوة:
فلا يصح في شرعنا أن يقال: (الغاية تبرر الوسيلة) على إطلاقها، بل إن حسن الغاية بقتضي حسن الوسيلة، وإلا وقع التناقض. فالشرع يهيمن على الغايات والوسائل جميعاً. فلا يسوغ مثلاً للداعي من أجل دعوة قوم عصاة أن يشاركهم في بعض مخالفاتهم بدعوى تأليف قلوبهم! أو أن تختلط امرأة برجال أجانب عنها بدعوى وعظهم ودعوتهم! وكذا ارتكاب كل منهي عنه في سبيل دعوة أو توجيه. والشرعية تستمد من المصدر الأساس وهو القرآن الكريم والسنة المطهرة القولية والفعلية.
السلامة من الانحراف
والضابط في ذلك هو اتباع القرآن الكريم والسنة المطهرة، فالوحي هو السبيل الأوحد لتحقيق مقاصد الشريعة والدعوة، روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض).
ولهذا ينبغي للدعاة الحذر وتحذير الناس من المناهج المنحرفة والأهواء البعيدة عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد سبق قبل قليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم - وصفاً لحال أقوام عاصرهم من هؤلاء- (كم من مريد للخير لن يصيبه). فلن يتحقق لمريد الخير مبتغاه بمجرد إرادته حتى يضم إلى ذلك اتباع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، ونبذ الأهواء المضلة.
تحرير المقاصد ووضوحها
فحتى تؤتي الدعوة ثمارها وتتحقق مقاصدها بإذن الله تعالى، لابد من تحرير المقاصد ووضوحها، وعدم إغفال المتغيرات والمستجدات والنوازل، فمما يعين الدعاة في نجاح دعوتهم: الواقعية في تناول الدين؛ فلا يصح أن يغفل الدعاة واقع الناس وتطورات الحياة؛ فإن دين الله عز وجل صالح لكل زمان ومكان، وقد أتى بتحصيل المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها؛ لذا ينبغي للدعاة مراعاة المتغيرات والمستجدات، وعدم التضييق على الناس وتنفيرهم؛ متأسين برسول الهدى صلى الله عليه وسلم في ذلك الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، وفي هذا ميزان دقيق للدعاة.
كما يجب على الدعاة - وهم يأخذون بأيدي الناس إلى صلاح دينهم وعمارة دنياهم - ربط قلوبهم بالمولى، وتشويقهم إلى جنته، وحثهم على ابتغاء وجهه سبحانه، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في كل أقوالهم وأفعالهم، وأحوالهم.
الحذر من انحراف المقصد والغاية
ولعل من حسن الختام تحذير الداعية من انحراف مقاصده عن مراد الله تعالى، إلى تحقيق مصالح شخصية، أو اتباع هوى، انتصاراً لرأي شخصي، أو لطلب دنيا. وهذه ونحوها قد تردي بالداعية إلى الهاوية، والعياذ بالله، فالدعوة - وهي من أشرف الأعمال وأزكاها - حريّ بمن يرفع لواءها أن يحذر عما يغلب على النفس وينحرف به عن الجادة.
وفق الله الدعاة إلى الله في دعوتهم، وسدد خطاهم، وأيدهم بتوفيقه وهداه، إنه نعم المولى ونعم النصير.

(*) استاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved