بديهي أن نقول إن الموت حق..
وطبيعي القول إنه الميناء الوحيد الذي ترسو على شاطئه كافة الكائنات الحية.. أنت وأنا.. ونحن وهم وهي.. ومن - الذي يعقل - وما لمن لا يعقل..
لكن الإعلان عنه يختلف والأسلوب الذي يتم فيه إعلامنا به يتباين وما دام الموت حقيقة لا تقبل الجدل والمناقشة كواحد + واحد = اثنين.
اذا فلندخل في هذه المعادلة تصور ان لك صديقاً داهمه الموت - بعد الشر - ما هي الطريقة التي تود أن تعلم بها خبر أجزم انك لا تقبل ان يقال مات فلان!! أو ابشر بخبر فلان! لأن هذا سيمس أدق مشاعرك خاصة اذا كنت رقيقا وصاحب أحاسيس ملتهبة. وسيؤثر عليك وربما أحدث لديك صدمة قد تختلف معا في تقدير تأثيرها ولكنها على أي حال بالغة ومؤثرة.
لكنك تريد أن يكون الخبر.. بدرجة لا تصدم عقلك الواعي فتحوله إلى عقل لا واعي.. تريد ان يأيك الخبر.. اخف وقعا واقل صدمة بحيث يشعرك ان الموضوع حقيقة لا تقبل المراء لكن ما حدث مؤخراً كان يمثل النوع الاول. والقصة كالتالي:
صديقان شابان.. اجتمعا على حب الحياة.. والتطلع إلى المستقبل.. وتوافقا على رباط دقيق من عواطف الأخوة ومشاعر الصفا..
ومزقتهما الأيام.. أحدهما عاش بالاحساء.. والثاني في الخرج..
المسافة قليلة بينهما.. لا تقاس بصديقين يعيشان على بعد آلاف الكيلومترات - احدهما مثلاً في أوتاوا - والآخر في دلهي.
ولكن البعد هو البعد لا يقاس بالمسافات بقدر ما يقاس ببعد الوجوه والاجساد.. وحكم الظروف.. وجعلا اتصالهما كتابيا - فلا زالا يؤمنان بالمراسلة ويقدرانها.. وجاء يوم بعث الصديق الثاني القابع بالخرج رسالة الى صديقه بالأحساء.. لأنه حريص على ايصال رسالته كانت وسيلته البريد المسجل وجعل ينتظر.. وينتظر ويبني قصورا من الخيال على وقع رسالته على صديقه.. وبلا شك فقد كانت تلك الرسالة مفعمة بالأشواق والتحايا مليئة بالاماني والاستذكار.. غنية بالحكايا والقصص عابقة بالشوق..
وبدلا من انتظار الاجابة جاءه الخطاب كما ذهب وفوقه عبارة - المذكور قد توفى!! كل شيء كان يخطر بباله إلا انه يتلقى هذه العبارة القاسية.. الغليظة كصخرة وقعت على رأسه.. ولكن لماذا يغضب؟ أليست هي مشيئة الله.. الا انه يتمنى ان يكون التعبير عنها باسلوب أخف وقعا عليه. هذه القصية ليست من بنات الخيال.. بل حقيقة سلمني اياها مؤخراً الطرف الثاني الذي لا زال على قيد الحياة.. لا يكره أن يموت ولكن يتمنى الا يكون لوقع موته.. على أصدقائه.. بدرجة ما أحسه تجاه صديقه..
وهذا بالتالي يقودنا الى وجوب ان يكون من يعمل بالبريد أكثر رقة وتهذيباً في حمل أخبار الوفيات.
|