قد يبدو العنوان مستغرباً بعض الشيء فما هي علاقة تقويم الأسنان بعلاج الشخير؟ وما دخل طبيب التقويم بعلاج حالة تندرج في صميم تخصص الأنف والأذن والحنجرة؟
طبعاً الإجابة على هذه الأسئلة تكمن في التطور الطبيعي للعلم الذي يفتح آفاقنا في مجالات لم تكن واضحة في السابق وترسخ التكامل بين مختلف التخصصات الطبية التي تفيد من تجارب بعضها البعض والتي في النهاية تصب في خانة واحدة هي خدمة الإنسان ورفع المعاناة عنه.
هناك حالة مرضية شائعة جداً في المجتمعات المعاصرة وقد بدأت للأسف تجتاح مجتمعاتنا العربية التي تعتبر من أمراض العصر وهي ما تسمى ب(متلازمة انقطاع التنفس الليلي الانسدادي) أو الاختناقي التي غالباً ما تترافق مع الشخير.
هذه الحالة تتظاهر بالشكل التالي: عند ذهاب المريض للنوم ومع أول إغفاءة له ينقطع تنفسه فجأة نتيجة ارتخاء عضلات البلعوم الأنفي والفموي وارتداد الفك السفلي للخلف قليلاً، مما يؤدي إلى إحساسه بالاختناق، فيقوم من نومه فزعاً ويتكرر هذا الشيء في الليلة الواحدة عدة مرات بحسب شدة الحالة. وفي أحسن الظروف ينام المريض مصدراً شخيراً شديداً يعبر عن عدم قدرته على التنفس بشكل مريح أثناء النوم. فقد يستيقظ عدة مرات في الليل بسبب نوبات الاختناق مما يؤدي إلى عدم أخذ قسط (كافٍ) من النوم وبالتالي، نلاحظ أن هؤلاء المرضى تجتاحهم نوبات نعاس شديدة أثناء النهار تدفعهم للنوم أثناء العمل أو أثناء جلوسهم فيشكل لهم ذلك إحراجاً، وقد ينامون أثناء القيادة مما يعرض حياتهم وحياة الغير للخطر الشديد. لكن الحرج والإزعاج الاجتماعي لا يكون فقط للمريض، إنما غالباً ما يكون لشريك حياته (الزوجة أو الزوج) حيث يعاني هذا الشريك من عدم القدرة على النوم بسبب صوت الشخير وهذه مشكلة من المشكلات الاجتماعية التي لا يمكن إغفالها والتي يجب أخذها على محمل الجد.
المظهر العام لهؤلاء المرضى
غالباً (ما يكون هؤلاء المرضى ذكوراً يعانون من البدانة وأعمارهم تتجاوز الأربعين، ولا يعتبر ما سبق من مظاهر عامة قاعدة ثابتة تنطبق على الجميع فقد يعاني منها الإناث أيضاً).
كذلك، فإن عامل العمر قد يكون أقل من الأربعين وقد لا يعاني المريض من البدانة إطلاقاً. إلا أنه يعاني من مشكلة انقطاع التنفس الليلي الانسدادي. كما أن المخاطر الصحية المترتبة من هذه الحالات هي انخفاض مستوى الأكسجين في الدم أثناء النوم واحتمال تعرض المريض لاحتشاءات قلبية قد تودي بحياته -لا قدر الله.
الأسباب
أهم سبب لهذه المشكلة هي البدانة والنمط الحياتي السيئ الخالي من الرياضة والأطعمة غير الصحية. بالإضافة إلى تدخل العامل العائلي الوراثي، والحالات الناتجة عن تناول بعض العقاقير التي تؤثر على الجملة العصبية المركزية. كما أن هناك العديد من الأسباب الموضعية المؤقتة مثل التهاب اللوزتين المتكرر وضخامتهما بالإضافة إلى تضخم الناميات الأنفية (اللحمية).
إذاً ما هو دور طبيب التقويم في ذلك؟
أولاً: المعالجة بإزالة السبب:
ونعني هنا تخفيف الوزن، ممارسة الرياضة، مراقبة النمط الغذائي واتباع نظام صحي في التغذية. وقد يكون من المفيد جداً الاستعانة بأخصائي التغذية. واستئصال اللوزتين أو اللحمية أو كليهما من قبل طبيب الأنف والأذن والحنجرة إذا كان ذلك هو السبب في المشكلة.
ثانياً: المعالجة الدوائية:
وهي المعالجة التي يقررها طبيب الأنف والأذن والحنجرة وفقاً لحالته.
ثالثاً: المعالجة الجراحية:
أيضاً يقرر هذا النوع من المعالجات ويقوم به طبيب الأنف والأذن والحنجرة وذلك بحسب شدة الحالة.
رابعاً: المعالجة بواسطة الأجهزة المساعدة:
في كثير من الحالات يلجأ البعض لاستخدام جهاز يقوم بضخ الهواء عبر الأنف أثناء النوم بواسطة قناع يوضع على الوجه للمساعدة على التنفس والسماح بإبقاء مجرى التنفس مفتوحاً (منعاً) لحدوث الاختناق، وغالباً ما يكون ذلك عند تعذر القيام بالوسائل العلاجية الأخرى كالجراحة أو المعالجة الدوائية. طبعاً هذا النوع من الأجهزة مزعج للمريض إذ يقتضي بأن يظل موصولاً بالجهاز طيلة فترة النوم وبشكل دائم. هنا يأتي دور طبيب التقويم في مساعدة هذا النوع من المرضى تحديداً عن طريق تقديم حل بديل مريح أكثر من هذا الجهاز وأنبوب الهواء الموصول إلى أنف المريض.
دور طبيب التقويم
يأتي تدخل طبيب تقويم الأسنان في مثل هذه الحالات بسبب الخبرة التي يتمتع بها في معالجة حالات تراجع الفك السفلي والتي تتصاحب في كثير من الحالات خاصة عند المرضى البالغين الذين يعانون من مشكلة الشخير وانقطاع التنفس الليلي الانسدادي وخاصة الخبرة في استخدام ما يسمى الأجهزه التقويمية الوظيفية (وهي نوع من الأجهزة المتحركة) التي تقوم بتصحيح وضع الفك السفلي عند المرضى الذين هم في طور النمو الفعال حيث لوحظ بأن تصحيح وضع الفك السفلي يؤدي إلى اختفاء حالة الشخير عند المريض وبالتالي اختفاء حالة انقطاع التنفس الليلي الانسدادي.
ومن المؤكد أنه ليس من الضروري أن يعاني أصلاً المريض البالغ من تراجع في الفك السفلي ولكن استخدام مثل هذا النوع من الأجهزة أثناء النوم يدفع الفك السفلي مؤقتاً للأمام فقط أثناء النوم مما يؤدي إلى انفتاح مجرى الهواء وبالتالي يستطيع المريض النوم مرتاحاً ويتنفس بسهولة ومن دون شخير أو صعوبات في التنفس.
أنواع الأجهزة
إن فكرة هذا النوع من الأجهزة ليست جديدة ولكن الجديد هو تقنية تصنيعها حيث هناك العديد من الأجهزة التي يتم الترويج لها من قبل الشركات ومتوفرة في بعض الصيدليات إلا أنها ليست جيدة أو مريحة ولا تؤدي بالتالي إلى الهدف المطلوب بخلاف الأنواع التي يتم تصنيعها من قبل طبيب التقويم والتي تلائم حالة كل مريض على حدة وتلائم شكل فمه وخاصة أسنانه حيث تصنع في مختبرات صناعة الأسنان بناء على طبعات خاصة بفم وأسنان المريض وطبقاً لمواصفات وشروط يحددها الطبيب بنفسه بحيث تلائم حالة المريض.
ومن الجديد في هذا الموضوع هو إحدى الدراسات التي تم إجراؤها بتعاون ثلاث جامعات غربية التي أوضحت بأن الاستخدام المستمر لهذا النوع من الأجهزة من قبل المريض بشكل دائم كل ليلة ولفترة زمنية تتجاوز الست سنوات يؤدي إلى حدوث تغيرات إيجابية على مستوى الفم وعلاقة الفكين مما يؤدي إلى توقف حالة الشخير وانقطاع التنفس الليلي الانسدادي لدى المريض حتى مع توقفه عن استخدام الجهاز نهائياً بعد ذلك.
د. خالد رجب أخصائي تقويم الأسنان مركز النخبة الطبي الجراحي |