توجه في الأمس ملايين الطلبة إلى مصانع المعرفة، توجهوا هناك لينفقوا ساعات من نهاراتهم في الفصول والساحات وحيث ستظل تلك الساعات موشومة فوق ملامح أعمارهم دوماً، بنورها وظلمتها، بعبوسها وبسماتها، بنوافذها المضيئة وقاعاتها المطفئة.
وإن كانت المدرسة كمؤسسة تربوية باتت تحاصر بالكثير من علامات الاستفهام من خلال النظريات التربوية الحديثة إلا أنها ما برحت هي الشكل الذي إنْ لم يكن الأمثل بالتعليم ولكنه على الأقل الشكل الذي يستطيع استيعاب المجاميع بصورة مشتركة ومحاولة تطبيق النظريات المعرفية بهم ولهم.
ولعل الصخب الذي يحاصر مصادر المعرفة المدرسية بما في ذلك قضية المناهج وتطويرها يعتبر هو الأشد ضوضاءً على المستوى المحلي، حتى بتنا نخشى أن تكون أروقة المؤسسات التعليمية مسرحاً للكثير من الصراعات المستترة بين التيارات الفكرية والأيدلوجية.
ولعل التحدي الذي يواجه المؤسسات التعليمية لدينا أن وزارة التجارة على سبيل المثال تقوم بالكثير من التغيير والتطوير في أنظمتها وقوانينها وهياكلها الإدارية بكل سلاسة وانضباط ويمر الأمر بهدوء على مستوى المجتمع، كذلك وزارة الصناعة أو أي وزارة أخرى، على الغالب لا تخضع لتلك الرقابة المتوجسة التي تحاصر بها المؤسسات التعليمية، ولربما بالتأكيد يسهم هذا في عرقلة الكثير من المشاريع الكبيرة التي تطمح لها تلك المؤسسات نتيجة تدخل الكثير من العوامل في هذا الموضوع سواء على المستوى المحلي أو العالمي، إضافة إلى الطبيعة الحذرة المتشككة التي تميل إلى تغليب سوء الظن التي تجد في التغيير تهديداً لمصالح وامتيازات معينة.
ولكننا في مطلع العام ونحن في بداية الطريق وما برح نبض التفاؤل مرتفعاً مترقبين لجميع الغيوم التي سيمنحنا إياها الأفق ما برحت قلوبنا تقرع بالبهجة والترقب ونحن نراهم صباحاً عند بوابات المدرسة، يكابدون هذا العالم ويحاولون فك طلاسمه وألغازه والتعرف على وجوهه الكثيرة المتعددة.
كنت في جلسة حميمة أنا وأبنائي نتحازر الاختراعات الحديثة والبلدان التي انطلقت منها حيث يميل الأبناء إلى البدء في استعراض عضلاتهم المعرفية التي استطاعوا أن ينالوها بعيداً عن أجواء الوالدين ومظلتهم، فكان اختراع الآلة البخارية في أوروبا، واختراع الطيران والكهرباء في أمريكيا، واختراع الترانزستور في اليابان ولكن ما لبث أحدهم أن سألني ماذا عنَّا نحن؟
ماذا عن الوطن؟ ماذا قدمنا للعالم من تقنية؟
ولأنني لا أريد أن أدخل في الكثير من التفاصيل مع رغبتي في الاحتفاظ بالمرجعية المعرفية بالنسبة لهم، فلم أكن أملك إجابة سوى: أنتم هو الاختراع لكنكم في طور التكوين والتشكل.. بداخل كل حقيبة هناك بذرة حلم واعد، وبداخل كل كمبيوتر لشاب هناك شبكة هائلة من المشاريع.. وفي كل غرفة فصل سينجو بضع من الأدمغة التي ستلمع وتفز وتسمو وتساهم في المسيرة البشرية الخالدة.
في بداية العام.. لا نملك سوى أن ندعو لكم بحقل من الأماني الخضراء، والسنابل التي تثق بوعود الغيث.. ومواعيد الغد.
|