من يتابع أخبار الطاقات البشرية الهائلة الموجودة في الأمة الإسلامية يؤمن بوجود عوامل التطور والرقي فيها، وبقدرتها على النهوض من كبوتها، والخروج من نفق ضعفها وتخاذلها، ويقتنع بأنها أمة قادرة على إثبات وجودها في هذا الكون في كل مجالات الحياة.
في كل مجالٍ علمي قاماتٌ ساحقاتٌ لمبدعين حقيقيين جادين، وفي كل ساحة سياسية أو اجتماعية أو فكرية طاقات كبيرة لعقولٍ مقتدرة، وأذهانٍ صافية، وقدرة على الإبداع والعطاء تثير الإعجاب، وما من ندوةٍ تقام أو مؤتمر يُعقد، أو لقاء علمي يتم إلا وللقدرات البشرية المتألقة من العرب والمسلمين حضور فاعل فيه، تنظيراً وتطبيقاً، وإنَّ الإنسان ليشعر بالسعادة، وهو يجلس إلى علماء ومفكرين ومبدعين ومخترعين من أبناء الأمَّة، تلمع في عيونهم أضواء العبقرية والذكاء، وترى العين فيهم صورة مشرقة لمطامح الأمة وآمالها.
حينما يجلس أحدنا مع واحدٍ من هؤلاء - وهم كثر - يشعر أنَّ أمته بخير، وحينما يطَّلع على جوانب النجاح في مجالاتهم يُحسُّ بأنَّه ينتمي إلى أمَّةٍ قويَّة عزيزة الجانب.
ولقد التقيت بأشخاصٍ كبارٍ في مكانتهم العلمية في مجالات متعدِّدة، ورأيت في كل شخص منهم صورةً من صور القوة والهيبة العلمية في مجاله، هذا في الطب، وذلك في الهندسة، والآخر في الذرَّة، وغيرهم في العلوم الشرعية، وهكذا تتعدَّد القدرات البشرية المتمكنة في المجالات المختلفة، ومنها الاختراعات العلمية التي يمكن أن يوصف بعضها بأنه مُذهل.
وهنا يشتعل السؤال الذي لا مناص منه:
أين أثر هذه الطاقات البشرية في بناء الأمة وكيانها؟ ولماذا لا نرى دورها الواضح في واقع أمتنا الإسلامية المؤلم؟ وإلى أين تذهب جهود هؤلاء المبدعين من أبناء الأمة؟ ولماذا لا نرى التطوُّر الكبير لأمتنا ما دامت تنطوي على هذه الطاقات المبدعة من رجالها ونسائها؟
أليس عجيباً أن نرى الأمة الإسلامية في مؤخرة الصفوف مكانةً علمية، وقدرة عسكرية، وقراراً سياسياً عالمياً، مع أنَّ فيها هذه القدرات البشرية المتألِّقة؟
سؤال جرَّ وراءه عشرات الأسئلة حول هذه الظاهرة العجيبة.
سؤال لا يتعب في الوصول إلى جوابه الذي يقول:
إنَّه التفرُّق والشتات، وتحطيم المواهب والقدرات، وغَلَبة المصالح الشخصية التي جعلت الأمة غير قادرةٍ على لمِّ شتاتها، وتجميع صفوف أبنائها، والإفادة من الطاقات البشرية الهائلة فيها.
إنها مسؤولية الدول والحكَّام والعلماء المصلحين، مسؤولية الذين يضحون بالمصلحة العامة في سبيل مصلحة خاصة عابرة، إنها نتائج تلك الصورة المؤلمة التي رسمها ذلك العالم الياباني العجوز لتلاميذه من مصر حينما سألوه: لماذا تعلن اليابان ومصر عن مشروعيهما الصناعيين في عام واحد، ثم تصل اليابان إلى ما وصلت إليه، وتبقى مصر على ما هي عليه الآن؟ فأجاب إجابة مختصرة رسم فيها صورةً مؤلمة لحالة بلدٍ عربي مسلم، وهي صورة عامة في عالمنا الإسلامي؛ قال:
السبب أن هنالك سُلَّماً للحضارة والتطور لا بدَّ من صعوده، ونحن في اليابان اتخذنا قراراً لا مجال لنقضه أبداً، إنَّه قرار التعاون والتكاتف وتغليب المصلحة العامة لنتمكن من صعود السلَّم الحضاري. نحن في اليابان إذا صعد أحدنا السلَّم ساعده الآخرون ودفعوا به إلى الأعلى ليصعدوا وراءه، وأما أنتم فإذا صعد أحدكم السلَّم لحقتم به وسحبتموه لتصعدوا مكانه، وهنا لا بدّ أن يقع وتقعوا معه. هذه الصورة هي الصورة القاتمة التي جعلت الطاقات البشرية الهائلة في أمتنا تتبدَّد، ولا تترك أثرها الإيجابيَّ في البناء.
إن لدينا إضاءات في ليلنا الحالك، فمتى نسمح لها بنشر نورها في كل مكان؟
إشارة
لوِّحي باليد النقية حتى يتراءى لنا جمال البريق |
www.awfaz.com |