الشعارات لا يلجأ إليها إلا العاجزون، الذين يستحثون العواطف، ويشحذون التعاطف، ويستجدون المناصرة. الجوع لا يرحم، وهو مبرر، وربما سبب، للقلاقل والفتن ونسف العقد الاجتماعي، وربما الحروب الأهلية.
الوضع في الضفة والقطاع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، والمشهد السياسي مفتوح على كل الاحتمالات. الحماسيون كانوا يظنون أنهم بفوزهم في الانتخابات سيفرضون أنفسهم كرقم سياسي قوي في المعادلة الفلسطينية، الأمر الذي جعلهم يجزمون أن الدول المانحة، الممول الأكبر للسلطة، سيضطرون للتمويل مرغمين، وسيتعاملون مع حماس كأمر واقع، وكأنما (العدل والمبادئ) في العلاقات الدولية هي التي توجه مثل هذه القرارات، غير أنهم اكتشفوا متأخرين (ربما) أن هناك أكثر من سبب وذريعة، تجعل من يمول يتنصل من كل التزاماته خدمة لمصالحه وليس لمبادئه، وهذا ما واجهته حكومة حماس، وما زالت تواجهه حتى الساعة.
ويبدو أن فوز حماس في الانتخابات أصبح وبالاً عليها، بل وعلى الفكر الإخواني الذي تنتمي إليه حماس في المنطقة. فشل حماس، وإشعار الفلسطينيين من قبل قوى المجتمع الدولي أن اختيارهم لها، وتفضيلهم هذه الحركة التي يعتبرها الغرب راديكالية ثمنه الجوع، وخلق حالة من عدم الاستقرار والفشل على المستوى الأمني والمعيشي والصحي والتعليمي.
وفي تقديري أن (التحدي)، وبيع الشعارات، لن يحلا مأساة الخزائن الفارغة لهذه الحكومة، ولن يقدما للعاملين في القطاع العام ولو جزءاً يسيراً من رواتب الشهور الخمسة التي يبدو أنها لن تأتي وحماس تتربع على كرسي الوزارة. وهذا - بالمناسبة - ما تؤكده كل المؤشرات. هنا يتضح للمواطن الفلسطيني البسيط، أن أولئك الذين اختارهم (ربما) كانوا ثواراً مخلصين، بينما إدارة الدول تحتاج إلى رجال ذوي مؤهلات أخرى، ساسة وليس ثواراً، يعرفون من أين تُؤْتَى الكتف، وليس كيف (تفجر) الكتف، يلبون ما تطلبه الأفواه الجائعة، وليس متطلبات العزة والكرامة والأنفة والإباء والرفض والتحدي، وبقية مفردات القاموس (الحماسي)، التي هي في المحصلة الأخيرة لن تزيد الجائع إلا جوعاً، والمريض إلا مرضاً، والفقير إلا فقراً وعوزاً وكل أنواع الفاقة.
منطق الدول المانحة يقول: رغم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون بسبب حكومتهم (المنتخبة) إلا أن هذه التجربة ستعلمهم كيف يكونون (واقعيين)، وأن الواقعية دائماً وأبداً هي (الحل)، وأن أولئك الذين يبيعونهم الأوهام والشعارات والأحلام وفازوا من خلالها بالانتخابات، كحركة حماس، سيقودونهم في النهاية إلى (التهلكة) بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى وهذا ما وجد الغرب، وربما قوى المجتمع الدولي جميعها، أن من الضرورة بمكان أن (يتعلمها) الفلسطينيون، كي يصبح الحل ممكناً؛ فتلك القوى التي تعتمد على (العنف) وتأجيج العواطف والدم والتقتيل والتفجير لخلق شرعية شعبية لها، لا يمكن أن تقود السفينة سوى إلى المجهول، والأزمات، والمآزق بينما (الواقعية) تتطلب (سياسياً) يعرف متى يقول: نعم، ومتى يقول: لا، ومتى يحني الرأس للعاصفة ومتى يوظفها لدفع أشرعة سفينته نحو الأمام وليس إلى (الحطام) حسب معطيات وتقلبات طقس (البحر) الذي يخوض عبابه، وكيف يتراجع إذا كان التراجع هو أفضل الحلول حتى وإن كانت كلها سيئة، و(يصمد) متى كان الصمود في (احتمالياته) أو قل: في حساباته، قد يقوده إلى الأمام، وهؤلاء هم الساسة وليس الثوار.
والفلسطينيون الحماسيون - في تقديري - يكررون بشكل أو بآخر مأساة الإيرانيين.
الإيرانيون ثاروا على حكم الشاه واختاروا الخميني، (الثائر) فانتهوا إلى حرب مع صدام (أولاً) أثقلت كواهلهم وأشغلتهم عن التنمية، و(ثانياً) إلى صراعات مع المجتمع الدولي، أوصلتهم على مستوى (العلاقات الدولية) إلى حافة الهاوية التي يلعبون بأوراقهم، وربما بمصير وجودهم، على تخومها الآن، أما على المستوى الداخلي فكما تقول الإحصاءات فإن الفقر اتسع انتشاره عما كان في عصر الشاه، والتنمية انحصرت في الحديد والأسلحة على حساب رفاهية الإنسان، والخدمات انحدرت، وإيران تعتبر من أعلى الدول في المنطقة بالنسبة لمعدلات انتشار المخدرات وتزايد السكان يتفاقم بمعدلات عالية حتى أجاز مرشد الثورة مسألة تحديد النسل. وأنا ممن يرون أن جزءاً من لعبة إيران والقنبلة الذرية مع المجتمع الدولي، تعود في بعض دوافعها إلى صرف انتباه الإيرانيين عن معاناتهم اليومية، بإشغالهم بالعدو الخارجي أو كما يسمون هذا العدو في خطابهم (قوى الاستكبار العالمي) للتغطية على فشل الثورة في الداخل وإثارة النعرة الفارسية بعد ما يقارب من ربع قرن على نجاح الثورة وفشل التنمية على مستوى (رفاهية) الإنسان وليس إنتاج السلاح.
حماس تمارس إلى حد كبير في رأيي اللعبة الإيرانية بطريقة أو بأخرى، رغم أن أدوات اللعبة لدى الإيرانيين تختلف عنها لدى الحماسيين، وهامش المناورة كذلك. ومثلما أن مصير الإيرانيين الفشل الحتمي، فإن مصير الحماسيين - في تقديري - نفس المصير، فالقضية هنا وهناك ليست سوى قضية وقت ليس إلا؛ فالثوار لا يمكن أن يحكموا الدول كما علَّمنا التاريخ؛ فالثورة - وليس النار هذه المرة - تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله.
|