عندما كنا نخطو في مسالك الشعر كانت القصيدة سهلة التناول قراءةً وكتابةً، كان الرقيب الداخلي لا يتجاوزنا عمراً وذوقاً وصرامة، كان يصفق بعفوية لأبياتنا العفوية ووعينا الصغير، كان ذوقنا شفَّافاً بسيطاً هادئاً مَرِناً يقبل بالقليل من الجمال مع الكثير من الصدق.
كنا نكتب القصيدة التي ينقصها الكثير لتكون مقبولة إلا أن فرحتنا بها تسد كل خانات النقص والخلل.
وشيئاً فشيئاً بدأ الذوق بالاتساع والوعي بالتمدّد والشعر بالارتفاع والقناعة بالعلو.. وبالتالي أخذت الجرأة على الشعر بالانكماش والاقتناع بالتردد، ووقف الرقيب صارماً يحاسب على فكرة الخطأ قبل الوقوع به. ولو كان الأمر بيده لعاد أدراجه متتبعاً خط العمر لإجراء قانونه الصارم على سالف المحاولات الماضية يمحو ما يشاء وقد نسي أنه كان أول من وقَّع على القصائد بالموافقة والتشجيع.
والحقيقة أن ما ذكرت مؤشر رائع على أن الإنسان يتطوَّر ويعي أكثر كلما مرَّ به الزمن؛ لا لأنه كبر واختلفت نظرته للشعر، بل لأنه طوَّر نفسه بالسماع المكثَّف والاطلاع والمتابعة، ومن هنا كان الذوق جائراً بما يمكن قبوله سواء كان ذلك مما يقرأ أو يكتب الشاعر نفسه.
وقفة.. للمتنبي:
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام |
|