عشت أياماً عصيبة من قبل وعرفت الحرب منذ نعومة أظافري، ولم أكن أخشى القنابل وأصوات المدافع، ربما لأنني لم أكن مسؤولة عن أبناء أو عمل أو لدي رسالة من واجبي إيصالها إلى الناس.
أيام الحرب الغابرة في لبنان، كنت أركض لأتفرج أين وقعت القذيفة وكأنها لعبة سقطت من غيري وأريد أن أرى ما حلّ بها، وجاء الاجتياح الثاني للبنان عام 1982، حينها كنت في أول بداية نضوجي وعرفت ما تعني الحرب وما هو العدوان، تطوَّعت في الدفاع المدني قرب منزل أهلي لأساعد من يحتاج إلى العون، دون أن أغادر منطقتي، وعرفت الخوف الكبير عندما رأيت جنود الاحتلال يدخلون إلى الحي الذي نسكن فيه (كورنيش المزرعة) شعرت بخوف من اقتلاعي من بيتي وأرضي ووطني، وفكرت أي وطن سيحتضنني، ومن سيسأل عني وعن أهلي، إلا أن الجواب جاء سريعاً بعد انحداره.
اليوم عادت بي الذا كرة سنوات طويلة خلت اعتقدت أنني نسيتها ولا أرغب أن تعرفها ابنتي الوحيدة ولا أحب أن تعيش الخوف الذي عشته سابقاً، لكن التاريخ أعاد نفسه، لكن هذه المرة بوضع مختلف، فأنا مسؤولة في عائلة، ومسؤولة عن كلمة ورسالة ومن واجبي أن أنقلها، ولكن كيف في وطن بدأت أوصاله تتقطع ووسائل النقل فيه خطرة والموت يترقب كل من يجول تحت جسر أو على طريق عام.
الخوف لم يطلني وحدي، بل طال كل زملائي في السعودية أيضاً، لهذا عملوا على تأمين سلامتي مشكورين، وأصروا على مغادرتي منزلي في بيروت (بسبب خطورة وضعه وموقعه الإستراتيجي) ولا أستطيع شرح أكثر من ذلك، فهم يعرفون الوضع جيداً، وأخص بالشكر كلاً من الأستاذ القدير خالد المالك رئيس تحرير جريدة الجزيرة، الذي سهّل مهمة انتقالي بسرعة، والأستاذ محمد القحطاني الذي لم يهدأ له بال إلا لحظة وصولي إلى منطقة طرابلس، والزميل فهد الشويعر الذي شاركه المشاعر.
شعرت من خلال اتصالات زملائي أنني وعائلتي لسنا وحدنا نعيش الأزمة فهم معي أيضاً، وكان إصرارهم كبيراً وعرفت مقدار الحب الذي يكنونه لي جميعاً، خصوصاً عندما قال لي الأستاذ محمد القحطاني عندما اعتذرت عن عدم إيصالي الأخبار بوقتها: (سلامتك أولاً والعمل يأتي بعدها، لا تبقي في بيروت، وسنعمل على إخراجك) وفعلاً حصل.
أما رحلتي إلى طرابلس فلم تكن عادية أبداً، فقد كنت أزور تلك المنطقة في زيارات استجمام ورحلات مع الأصدقاء لنستمتع بأجوائها التراثية والقروية، ونرتاد مطاعمها الشعبية ونأكل من أطيب حلوياتها، لكن اليوم لم أرَ أي شيء مما كنا نفعله سابقاً، فقد كانت رحلة رعب فعلي.
الطرقات الرئيسية المؤدية إلى طرابلس شبه مقفرة، لا سيارات ولا زحمة سير ولا بائعون على الطرقات، ومن يسير على هذه الطريق الرئيسة يكون محمّلاً بالأمتعة باتجاه الحدود السورية أو أي قرية في الشمال هرباً من الصواريخ، أما طريق جونيه - معاملتين فلا حياة فيها، والمسابح مقفلة إلا من أصحابها، وبعد هذه المنطقة هناك شاليهات مزدحمة بالهاربين من نار القصف لجأوا إليها بحثاً عن الأمان وليس الاستجمام، وبالطبع ليس بالمجان، بل بالأجرة الباهظة جداً.
ما إن قطعنا طريق البترون حتى صرنا وحدنا على الطريق (ابنتي وأنا وزوجي مع والدته الكبيرة في السن) وبدأ الخوف يدب في قلبي لأننا وصلنا إلى (تونيل شكا) ربما كان الوحيد الذي لم تطله صواريخ الطائرات المعادية لتقطع آخر وصلة من أوصال الوطن بين بيروت والشمال، خوف جعلني أبقى صامتة أرتجف وأنظر إلى السماء بانتظار رؤية أي طائرة تغير علينا، خرجنا من التونيل بسلامة، ولم أعد أرَ أي أثر لسيارة ترافقنا أو تسير خلفنا أو أمامنا، وازداد خوفي إلى أن وصلنا إلى مشارف طرابلس ورأيت لافتة (طرابلس ترحب بكم) فبدأ الاطمئنان يعود إلى قلبي تدريجياً، لم يكن الخوف من أن أموت لأنني إنسانة مؤمنة ولله الحمد، ولكن الخوف على أسرتي وخصوصاً ابنتي التي بدأت براعم ربيعها بالتفتح، وأريد لها حياة جميلة، وأحلم لها بمستقبل في وطن يحبه الجميع، ترى فيه الحق والخير والجمال.
في طرابلس عاصمة الشمال وجدنا الترحاب ومنزلاً نسكن فيه وحدنا، فشعرت بمأساة غيري ممن لا يجدون منزلاً يأويهم لأنهم لا يملكون مالاً للإيجار ولا مكاناً يتسترون به، فلجأوا جماعات إلى المدارس والجوامع والأماكن العامة.
في طرابلس لم يرحمنا العدو أيضاً، فقد استقبلنا بغارة عنيفة على مراكز الاتصالات، فانقطعت آخر وسيلة تواصل مع الآخرين.
وبعد يومين عاد الاتصالات لأعود وأطمئن زملائي وكل الناس عني وأتابع تواصلي العملي والمهني من هناك، فكل الأماكن في قلبنا حتى لو كانت مؤقتة، لم تكن رحلتي إلى طرابلس هذه المرة كغيرها، بل ستبقى معي ومعكم ذكرى أعبر فيها عبر السطور إليكم.
* مراسلة (فن) في بيروت |