Saturday 5th August,200612364العددالسبت 11 ,رجب 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الرأي"

النزيف المؤلم النزيف المؤلم
هند آل شاكر

(وراء كل باب سنعرف الحقيقة، لكن أمام الباب لا حقيقة لنا ولا حقيقة لما حولنا، وإنما كل ما هنالك: كذب جميل وحقيقة مؤلمة) ومن بين ابتسامات الناس وأحاديثهم حولنا، يتشكَّل أمامنا سؤال خفي يتسلل إلينا، يتطفَّل على علامات التّعجب يثيرها يحوِّلها لاستنكار؟ ينازل الأمان بداخلنا ويبرز الشك، يداعب الثقة الثابتة في أعماقنا يحرّضها على الرحيل أو مجرد الاهتزاز، هذا السؤال لا نملك الإجابة عليه ولا يقبل الإجابات الافتراضية؟ وهو عن الخِل الوفي والمحب الأمين واستحالة وجوده بيننا؟
إن كل الألم والحيرة والحزن بعينه هو الغربة، غربة الروح هي الغربة الحقيقية التي تستنزف كل أعصابك وقدرتك على الاحتمال، وتجعلك ترفض الوهم والخداع أو الخيانة والاستغفال، فتتجاوز سلالمه لتصعد دائماً إلى ذروة الحقيقة، فتبحث عنها تنادي بها وتمجدها، لتبقى هي الأرضية التي تفترشها دائماً، ولتبقى هي النار التي تستدفئ بها في ليالي الصقيع، لكن ماذا لو وجدت أنك أصبحت غريباً على صديق أحببته، وكل ذنبك أنك وجدت فيه نبضاً يرسم مشواراً ومنديلاً أبيض يجفف حبات العرق ولهيب الدموع، ووجدت أنه الجسر المتين الذي تريد العبور به عبر متاهات الحياة ورأيت أنه بادلك المحبة هو الآخر في وقت من الأوقات حيث كان يراك كما يقول الفجر الوحيد في أضلعه والماء حين تجدب الأرض من تحت أقدامه..
ماذا تفعل لو وجدت أن صلاحية الصدق قد انتهت في حياته، وماذا تفعل لو فوجئت أن هذا الصديق بات يتعامل معك لمجرد استهلاك الوقت الذي يجمعكما وفي حناياه على عقارب الساعة البطيئة غيظ شديد لأنها لا تستعجل هذا الوقت الذي أصبحت ثوانيه ثقيلة الخطى؟
وماذا لو وجدت أنك لست سوى ممثل على خشبة المسرح، تمارس دورك الذي تتقنه بصدق وعفوية؟ لكنك لا تدرك ما الذي يدور خلف الكواليس، بل إنك لا تعرف إطلاقاً ما هو عنوان المسرحية!
عندها مؤكد ستحزن ولن يكون الحزن لأجله بل من أجلك، فإحساسك بأنك بركان موقوت سيثور يوما ما وأول شيء ستحرقه الحمم هو أنت، هو إحساس يدفعك إلى القلق الأزلي المخيف!
فأنى لك أن تحظى بحرية اختيار الطمأنينة في زمن أنت نفسك لم تختر المجيء إليه، ولو خُيّرت لرفضت أن تعاشر من تعاشر بعد سنين العمر، وأنى لك أن تجد الصدق والوفاء وأنت مخدوع حتى النخاع، والألحان الرتيبة حولك تمضغك ثم تلفظك عبر جثة هذا الليل الضخم المتهالك، فالصديق المزيف أصبح كالظل يمشي وراءك عندما تكون في الشمس ويختفي عندما يجيء الليل.. عندها تكون في هذا الموقف بمعايشتك الأحداث السابقة، توقف ولا تجعل الأمل ينتحر في قلبك الحزين، ولا تجعل ذرات اليأس المنتحبة تفتت كيانك.. قد تكون محاولة يائسة لتبريد الكبد المتفطّر، لكن ضعفك لن يقودك إلا إلى الضياع لتتوه في متاهات الأيام بحيث لن تعرف لك طريقاً، وستجعل الثقة تحترق ببطء وتدفن في نفسك، عندها لن يعلم أحد بمعاناتك أو شقائك ولن يروا سوى انكسارك وضعفك.. وروح لا تعيش إلا على هاوية اليأس..
لذا يجب أن تؤمن بأنه بدون الوفاء والصدق والأمانة لا يُوجد حب ولا أي فضيلة على وجه الأرض!
وبأن داخل كلامنا هناك مساحة بيضاء لم يدنسها نزيف الجرح أو تلوثها سود الليالي..
مساحة يتوق من يكتشفها في حناياه أن يتأملها بعض الوقت، عندما تعتصره الآلام، وتخترقه سهام الكذب والخداع والخيانة وعندما يفتقد الأمن والأمان، والصدق والسلام والراحة والاطمئنان..
هذه المساحة يجب أن تبقى كما هي، ناصعة، طاهرة، بيضاء، حتى لا نفتقد الصفاء، والسعادة والطمأنينة والثقة والقوة عند الحاجة إليها في عز المواقف الملطخة بالنزيف المؤلم، ابحث عن هذه المساحة حتما ستجدها داخلك.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved