غادرت سيارة البلدية في صندوقها جثة الشجرة، والدي صاحب المبادرة، بيتنا في الصف الأيمن من الحارة بينما جذور الشجرة تخترق أساسات بيوت الصف الأيسر وتهدّدها بالإطاحة.
سكان البيوت المهدّدة غادروا بعد فترة غير طويلة من اقتلاع الشجرة، بيتنا صار يقابل الفراغ، كانت تملأ الشارع تظلّلنا تمنع الأتربة وتنقّي الهواء ولا أحد من جيراننا السابقين شكر أبي على المبادرة، عشنا بفراغها وفراغ الجيران، الفترة التي عاشها السكان بعد اقتلاع الشجرة بالإمكان أن تبقى جدرانهم قائمة.
دفعة غير مجهدة من كفي تفتح أبواب البيوت الخواء بفتحات علوية وجدر طينية تشتت الصادر من الأحذية والأنفاس، كابلات الكهرباء الحياة فيها رهن المال، أعمدة الإضاءة المتصافة بمساحات محسوبة تجود على سطوح وأفنية البيوت أتخبط داخلها تبعاً لمدى وصول الإنارة الخارجية لبعض الزوايا المكشوفة للسماء، الحمام المغادر لم يترك ذكرى حسنة، الصناديق المتدلية المحشوية قشاً وريشاً الملأى بها الجدران والدرج تزيد الخواء بشاعة، الحمام المغادر لا يعبر سماء الحارة لو أن فرخاً صفق وطار من بيضة مكسورة لانتظرت دقات الساعة لأصحو لكني أهمش بحذائي قشور البيض أنا جسد بعيون يقظة.
بيوت أخرى أقامت فيها عمالة أجنبية، أتحدث معهم بلغة مكسَّرة كلهجة مستحدثة للحارة يشترك فيها الآسيويون والأفارقة وأنا، الداخل للحارة يقرأ لافتة خضراء تحمل اسم قائد عربي، ظلت الحارة تحمل اسم عائلتي حتى بعد تعليق اللافتة الخضراء، الآن وبعد نفاذ روائح أبهرة آسيوية ساعة الظهر نُسي اسم عائلتي واسم القائد العربي.
الإضاءة العمودية باهتة بياضها له شعاع أصفر لا تصل دوائره الضوئية إلى الأرض، أعمدة أطول منها في حارات أوسع تعكس ضوءاً أبيض ناصعاً لا تفاوت فيه، لا ظلام في المسافة الفاصلة بين عمودين، النور يتلاصق فيها. تفاوت الشعاع طولياً وعرضياً يحرك شيئاً في النفس يجلب الانقباض كلهم هناك يطالبونني بالإسراع ومسح لطخات الدم النافرة من الكاحل بجذع الشجرة والعودة إلى لعب الكورة، لحاء الشجر الخشن أبعدني جعل ساقي تتمدّد قليلاً ومسح نزفات الدم بحائط حماه أبي من اختراق الشجرة، حائط يحفظ لطخة دم تتهدل يراوح بها قشر طلاء.
|