Thursday 30th March,200612236العددالخميس 1 ,ربيع الاول 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"دوليات"

أعداء اليوم هل يصبحون حلفاء الغد؟ أعداء اليوم هل يصبحون حلفاء الغد؟
لمصلحة من المحادثات الأمريكية الإيرانية؟(2 2)
د. وحيد بن حمزة عبدالله هاشم

قلنا في المقال السابق (إن أعداء اليوم قد يصبحون أصدقاء، بل لربما حلفاء الغد، وأصدقاء وحلفاء اليوم قد يتحولون إلى أعداء في الغد).. هي مقولة واقعية لقاعدة أساسية من قواعد العلاقات الدولية لا يمكن أن يستثنى حدوثها من أي علاقات إقليمية أو دولية ثنائية أو جماعية، بل إنها حقيقة قد تفسر معظم العلاقات والسياسات الدولية في المستقبل عامة وفيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية الإيرانية خاصة.
أولاً كبداية لا بد وأن نقول بأن لكل من روسيا والصين حسابات خاصة ومصالح ذاتية خاصة، بل وأهداف قومية واستراتيجية خاصة تختلف عن بعضهما اختلافاً شبه كلي منذ أن حدث الفراق الروسي الصيني في أواخر الخمسينات من القرن الماضي. بيد أن كلا من الدولتين تشتركان في مخاوفهما السياسية والأمنية والاقتصادية من استمرار الهيمنة الأمريكية على العالم، ومن ثم من الانفراد الأمريكي بالعالم عامة وببعض المناطق الاستراتيجية الإقليمية خاصة، فالقضية بالنسبة لكل من الدولتين قضية بقاء قومي بجوانبه الثقافية والحضارية والعقدية.
وكبداية أيضاً فإن لإيران حسابات عامة تتفق وحسابات كل من روسيا والصين، ولكن لعل أيضاً حساباتها الخاصة المتعلقة بالحفاظ على واقعها القومي في المنطقة من جهة، ومن الجهة الأخرى الحفاظ على مصالحها وغاياتها القومية تحديداً في كافة أرجاء المنطقة، فإيران أولاً دولة إسلامية ويهمها الواقع الإسلامي بكافة أطيافه وخصوصاً في طيفه المذهبي الخاص المتوافق معها، وإيران دولة نفطية يهمها الواقع النفطي في المنطقة وما سيؤول إليه الحال النفطي في المستقبل خصوصاً من حيث الوفرة والكم والنوع ناهيك عن الأثمان التي تحدد مستوى الرفاهية القومية.
أخيرا يهم لطهران أن تنسى ثلة من الحسابات الأمنية القومية الخاصة بها بداية من مخاطر الحدود الطويلة التي تربطها بدول قومية مختلفة، ومروراً بمخاطر مقومات إثارة القلاقل والفتن من قبل الأقليات العرقية الموجودة على أراضيها خصوصا الأقلية العربية في الغرب، ونهاية بالمخاوف الإيرانية من مسببات عدم الاستقرار عامة وخصوصاً مخاطر الإرهاب العابر للقارات والمخترق للدول، فهي وإن تمكنت من تحجيم قوى الإرهاب المعارض لها على المدى القريب لكنها لا يمكن أن تتحكم به ولا بتوجهاته وانقلاباته المباغتة على المدى البعيد، خصوصاً إن توفرت له المقومات المعنية بانفجاره من الداخل الإيراني بعد أن يتلقى الدعم المطلوب من الخارج.
لذلك لا بد وأن تحتفظ طهران بكروت رابحة قوية في عمليات التعامل ومن ثم متطلبات التفاعل (السلبي والإيجابي) مع واشنطن بحيث تحرص على تحييد البعض من حلفاء واشنطن باتباع سياسة الجزرة، في ذات الوقت الذي ترفع فيه العصا في وجه البعض الآخر ممن تخيفهم العصا الإيرانية، فطهران يهمها أن تبقى واشنطن في حالة نفسية غير مستقرة، بل ومتقلبة بما ترسله من رسائل ومؤشرات مختلفة فيها شيء من التصعيد الممزوج بالتحريك الميداني (خصوصاً في العراق)، دعك عن مؤشرات رسمية وغير رسمية تحتوي على نبرات خافتة من التهديد لكنها لا تخلو من شيء من الوعد والوعيد.
ويهم طهران أيضاً أن تفرض على واشنطن طوقا من الغموض والترقب الذي تشوبه سحب سوداء داكنة من مخاوف أشكال ومستويات ردود الأفعال، فالتصريحات والتهديدات المتبادلة فيها ما فيها من تهديد بالأفعال وأخرى بردود الأفعال. لذلك تعمل طهران على فرض أمر واقع على واشنطن لا يمكن رفضه أو إنكاره (فيت أكومبلي) ولكن يمكن التعامل معه، فطهران يهمها أن لا تدخل في صراع مباشر مع واشنطن خصوصاً صراعا عسكريا تكون الطرف الخاسر فيه، لكن لا مانع لديها من الدخول في صراع غير مباشر مع واشنطن حتى وإن كان على غرار ما هو حاصل الآن في العراق طالما أن محصلة ذلك الصراع يدفع ثمنه الآخرون.
ومن جهة أخرى لم تعد واشنطن بقادرة سياسياً أو حتى عسكرياً على فتح جبهة عسكرية ثالثة على ذاتها في إيران، فحسابات الأرباح والخسائر الأمريكية فيما يتعلق بالحرب الأفغانية والحرب العراقية (التي وضعتها واشنطن مسبقاً للحرب) فاقت مخرجات تلك الحربين وذلك الواقع المرير الذي آل إليه الحال وآلت إليه الأوضاع، بل وبلغت الخسائر أوج ذورتها حتى أصبحت عبئاً كبيراً على جميع المؤسسات السياسية الأمريكية خصوصاً على السلطة التنفيذية. محصلة القول إن أخطاء واشنطن الجسيمة خصوصاً في العراق لعبت دورها في تضخيم تلك الحسابات الجسيمة التي كان من الممكن تفادي معظمها فيما لو بحثت واشنطن عن الثقافة السياسية القادرة على التعامل مع خلفية ثقافة الصراع في المنطقة.
الذي يجعل من الموقف الأمريكي أكثر تعقدياً وحساسية ما تواجه الإدارة الأمريكية في الداخل من ضغوط عنيفة ومعارضة شديدة لسياستها الخارجية في العراق تحديداً؛ فالكونجرس الأمريكي بدأ يتململ كنتيجة لتململ الشعب الأمريكي واستيائه من الحروب وسخطه على إدارة الرئيس جورج بوش بعد أن خرج الرأي العام الأمريكي من سكرة المخاوف الأمنية التي هيمنت عليه منذ أحداث 11 سبتمبر الإرهابية.
الكونجرس الأمريكي (مؤشروميتر) أو (باراميتر) للرأي العام الأمريكي الشعبي لذلك لا بد وأن يتفاعل معه صعوداً أو هبوطاً. وفي هذا ما فيه من مخاطر جسيمة متوقعة على الأمن القومي الأمريكي ولاسيما بعد أن تفتقد السلطة التنفيذية للشرعية السياسية المطلوبة للمضي قدماً في إكمال مخططات واستراتيجيات السياسة الخارجية الأمريكية الدفاعية (أو الأمنية) التي تمخضت عن أحداث 11 سبتمبر وغيرت بالكامل من قواعد وترتيبات وأسس وأخلاقيات وقوانين المنظومة العالمية بالكامل.
ملخص القول إن واشنطن تواجه عداء خارجياً متصاعداً من معظم دول وشعوب العالم التي باتت تنظر إلى السياسة الأمريكية نظرات شك وريبة وتكن لها العداء والحقد الدفين.. كما تواجه واشنطن تمرداً ملحوظاً من الدول الكبرى تحديداً من روسيا والصين في ذات الوقت الذي بدأ فيه حلفاؤها الغربيون في حركة التخلي التدريجي عنها باسم التغير في حركة المصالح القومية الاستراتيجية.
المستفيد الأول من هذه التغيرات هي إيران بالطبع، ولهذا تريد واشنطن أن تلعب لعبة جديدة تعيد للمنطقة تاريخها القريب جداً بعد أن تطبق بدورها المقولة التي أشرنا إليها في فاتحة المقال. فهل تنجح واشنطن في التحالف مع إيران؟ وهل تقبل إيران بالتحالف مع الشيطان الأعظم؟ كل شيء ممكن تطوره.. بل وكل شيء غير مستحيل وقوعه أو حدوثه خصوصاً في عرين السياسات الدولية والإقليمية، والسؤال: هل وضعنا تلك الحقائق نصب أعيننا؟ وهل تحركنا لمواجهتها والتعامل معها؟

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved