ينظم كل سنة في العاصمة البلجيكية (بروكسل) مهرجان شعبي كبير للزهور، ومن ضمن برامج هذا الاحتفال صناعة سجادة كبيرة مزركشة ومزخرفة من الزهور، في وسط المدينة، وبجانب قلاعها القديمة ومركزها السياحي، كنت أقف مذهولة وأنا أتأمل تلك السجادة في المهرجان الذي ينظم عادة في شهر أغسطس، وهي تنقل لحواسي أخلاطا عجيبة من اللون والرائحة، والتواشج بين البري وزهور الحدائق المنزلية، وتلك التي تنبت بين الصخور، والأخرى التي تترعرع بجانب الأنهار، والنادرة التي تخضع لمزاج المواسم، الحقيقة كانت تجربة غريبة قادتني إلى شعور عارم بالاغتراب، أنا الصحراوية ابنة الرمال والكثبان والزهيرات الخجلى الصغيرة التي تنوس غب المطر الشحيح، فتفز وتخاتل الرمل وصرامة الشمس، ومن ثم لا تلبث أن تتوارى خلال أسابيع قليلة، ووقفت صاغرة أمام هذا الغدق الأوروبي، والغيوم التي تبطن سماءهم دوما، والمطر الذي يصبحون منه ويغدقون، والنسائم الرطبة التي تشغل الفؤاد ببهجتها، ولكن بعد كل هذا نتذكر بأننا ذهبنا إلى هناك عبر ساعات طيران طويلة، حيث المسافات الجغرافية الشاسعة التي تعيد الأحلام إلى نصابها الطبيعي.
ولكن الأسبوع الماضي اخترق هذه الغربة والوحشة الجغرافية مهرجان الزهور الذي أقيم في مدينة الرياض، كان هناك سجادة، سجادة من الزهور وفتنة اللون والرائحة نفسها، على الرغم من التصحر، والانحباس الحراري والقطع الجائر للغابات في العالم، فإن للرياض أجندة مختلفة، هذا البساط من الزهور هو البساط السحري الذي تمتطيه الرياض باتجاه أحلامها الجريئة المذهلة، تلك الأحلام التي تتحدى روتين من يحاول أن يغلق عليها داخل صناديق المستحيل واللامعقول، الرياض ابنة الصحراء التي عجزت الصحراء عن عسفها أو ترويضها، وانطلقت إلى الغد برفقة حزمة أحلام تتلوها فوق بساطها السحري.
الرياض التي تحدت مردة الرمل وغيلان الصحراء، واستجلبت الماء من البحر، وأخبرت العالم جميعه أن هناك مدينة تتشكل وتحلم بأسباب السحاب، مدينة عذب البحر في حضرتها، وأهدها سجادة من زهور، تحلق بها نحو أشد أحلامها جموحاً وغرابةً.
وأنا أتأمل سجادة الزهور في مدينتي الصحراوية، التي تصبح الورود بها صدفة أو أعجوبة، أشعر أن هناك نبضاً كونياً عارماً به تحدٍ وطموح وإصرار على الذهاب إلى الغد.
هاهي ممراتها تهدي أعيننا كل صباح جداول من الورود أمضي مشواري الصباحي في تحازر ألوانها أنا وطفلتي.
الرياض قررت قدرها ومصيرها، هي اختارت الحياة أمام ثقافة الموت، اختارت الاستمرار أمام دوامات الغبار، اختارت الغد أمام سعالي الحجب والمنع.
مدينتي تشقّ طريقها نحو المستقبل فوق بساطٍ سحريٍّ من الزهور.
|