** لقد شعرت بالفقد والشجن منذ فقدت التواصل معه خلال السنة الأخيرة من حياته بسبب مرضه - رحمه الله -.
كان لا يكاد يمضي يوم إلا رأيته أو كان لي اتصال هاتفي مع شيخي ووالدي ومعلمي المربي الشيخ عثمان الصالح.
لقد كانت لحظات اللقاء به أو الاتصال فيه من أسعد اللحظات على نفسي، وأحسب أنها لديه كذلك إذ لم تكن اللقاءات أو الاتصالات معه لأمور مادية دنيوية - وهو الزاهد في ذلك - لكن كان التواصل معه يدور ويجول في أغلى الفضاءات التي يحبها وعاش من أجلها، فضاءات العلم، والشعر، والأدب، واللغة، وكم استفدت وتعلمت منه - رحمه الله - وكم أحس الآن بفيض من الأشجان فلا أمل منذ رحيله برؤية أو اتصال أو لقاء أفيد منه علما أو أسمع شعراً أو أكسب فائدة لغوية!
***
** لن أتحدث عن أدب الدرس لدى شيخنا الجليل، لكن أتوقف قليلا وأنا أرثيه وأبكي عليه عند (أدب النفس) لدى هذا الراحل الغالي، والأب الحاني، وأزعم أن كل من اتصل أو تواصل مع هذا (الإنسان) سعد به واستفاد من شمائله التي جبله الله عليها.
لقد كان الشيخ وهو في صحته رغم كبر سنه نادراً ما يذهب الإنسان إلى مجلس عزاء إلا ويجد الشيخ متصدراً صدر المجلس يدعو ويواسي وينشر أشرعة الطمأنينية في قلوب أصحاب العزاء.. وأينك اليوم يا شيخنا لتزرع الطمأنينية في وديان نفوسنا بعد رحيلك وأنت الذي طالما أسكنت السكينة فيها، أسكنك الله الفردوس الأعلى من الجنة.
وفي فضاءات الأفراح قليلاً ما يشارك المرء منا إلا ويجد الشيخ الغالي في الفرح حتى عندما بدأ ينهكه التعب - حاضراً ينشر البسمة المضيئة، والكلمة الطيبة، والتهنئة الصادقة متوكئاً على شيمة حبه للناس، قبل اتكائه على عصاه!
***
** لا أزال أذكر له موقفا أخجل من نفسي كلما ذكرته، أذكر ذات يوم أن سعدت بصحبته لزيارة محافظة (عنيزة) للمشاركة في فرح ابن عزيز مشترك، وعندما عدنا مغرب اليوم التالي ووصلنا إلى دارته - أبدله الله بدار خير منها - نزلت من السيارة لأودعه - رحمه الله - فقال لي وأنا أقبّل رأسه: أريدك أن تذهب معنا غداً الساعة الثامنة صباحاً إلى الدمام حيث ستحضر زفاف ابن صديق لنا، فاعتذرت منه رحمه الله، فأنا للتو قادم من سفر لحضور زواج، وكيف سأسافر مرة أخرى بعد ساعات لحضور فرح آخر؟! لكنني ظللت أتأمل وأنا ذاهب إلى منزلي كيف أن الرجل بعمره الثمانيني تهزأ عزيمته بنا وبصحتنا ونشاطنا، فلا يتكاسل ولا يضعف أمام أي موقف أو سفر أو حضور يرسم فيه بسمة، أو يمسح دمعة مهما شق عليه سواء قرب المكان أو بعد!
إنه - رحمه الله - طراز نادر من الرجال في أدب درسه ونفسه!
***
** أما في دارته - رحمه الله - فإنك قليلا ما تجده لوحده في أي وقت وفي أي فصل حتى عندما دب الضعف إلى جسده، كان لا يخلف ميعاداً، كان يجلس في باحة منزله يتسقبل ويشفع وينثر طيور الفرح بأحاديثه وطرفه، ويجعلها تغرد في أفئدة زواره ومريديه. لقد كان - رحمه الله - يشق على نفسه، ويثقل عليها لكن كان يجد راحته، ألم يقل المتنبي بيتاً كأنه يعنيه فيه:
(( بصرت بالراحة الكبرى فلو ترها
تنال إلا على جسر من التعب))
أذكر عندما بدأت تضعف قواه، وبدأت الأدواء تعاوده وظل على عادته في استقبال الناس والجلوس إليهم أطرافا طويلة من النهار، وآناء غير قليلة من الليل.. أذكر أن طلب مني عندها ابنه العزيز (بندر) بوصفي واحداً من أبنائه الذي يعلم بمحبتي له أن أشير على والدنا أن يحدد ساعات معينة لاستقبال الناس رفقاً به، ومراعاة لصحته، وذات مغرب - ونحن خارجون من مسجده - وأنا أمسك بيده الكريمة قلت له ليتك يا شيخ عثمان تحدد ساعات معينة لزيارة الناس لك في منزلك ليعرفها الناس ويأتون فيها بدلاً من مجيئهم إليك كل وقت وهذا يتعبك، وما أن انتهيت من كلامي حتى تمعر وجهه - رحمه الله - وقال: كيف..! هل تريدني أن أصدّ زائراً جاءني أو طارقا وصل إلى داري.. لن أحدد وقتا.. وسوف أستقبلهم في كل وقت. فقبلت جبينه وأنا أغضي حياء وخجلا من عزيمته وموقفي.!
ترى من يقدر على ذلك أيها الشيخ إلا ذو المروءات من أمثالك.. فما أشد فجيعتنا برحيلك ورحيل أمثالك..!
***
** لقد فقدتك - يا شيخنا - مع الآلاف الذين فقدوك!
فقدنا طيب حديثك، وجميل قصصك
فقدنا حكمتك، وحبك للخير
فقدنا (بياض ابتسامتك) التي كنت تلقانا بها قبل أن تستقبلنا (ببياض دشداشتك)، كما وصفك ذات مقال أ. زياد الدريس: (ما أقسى الحياة عندما نفقد فيها هؤلاء الأخيار الأطهار)!!
لقد فقدناك أيها العف اللسان الذي لا يقول إلا خيراً، ولا ينطق زوراً.
فقدناك وأنت على أريكة بيتك - أبدلك الله بأريكة في جنة المأوى - تسأل عن هذا، وتلاطف ذاك لا أزال أتخيلك وأنت تمسك بقلمك الذي رافقك: تسطر شفاعة، أو تحبر شعراً، أو تزرع حكمة!
فقدناك (بمسواكك الطاهر) كطهارة قلبك ونفسك الذي ما أظنه غادر جيب ثوبتك تماماً كما لم يغادر حبك قلوب الناس طوال سنيّ حياتك.
***
** أيها الغالي الوالد عثمان الصالح: الحديث عنك يطول لو أردت أن أعدد كل شيمك وسجاياك، والمواقف المضيئة معك في رياضنا العزيزة، أو في رحلاتنا معك.. هل أنسى اجتماعنا باستراحتك أيام العيد بالمجمعة مع أبنائك ومحبيك، وغيرها من جلساتك التي لا نمل فيها منك أو من أحاديثك، حتى أنني أشعر بالخسارة عندما تأخذني المشاغل وأغيب عنك عدة أيام لا أراك فيها وإن كنت لا أنقطع عنك عبر الهاتف عبر مهاتفات أدبية جميلة أفيد منها وأسعد بها.أيها الراحل إنك انموذج في زمن فقدنا فيه الكثير من السجايا والقيم والمثاليات.!
من هنا عظم ألمنا بفقد (شهم نادر) مثلك.
***
** عزاؤنا أنك رحلت وأنت لم تدخر جهداً أو وقتا لنفع الناس إلا قدمته وبذلته، وأرجو أن تكون من أحب الناس إلى خالقك الذي عدت إليه مصداقاً لقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)، وقد كنت علم الله كذلك.
عزاؤنا - أن الله برحمته غفر ذبنك بما ابتلاك به من مرض في سنتيك الأخيرتين، فصبرت ولم تجزع، وشكرت ولم تشك، وقد متعك الله سنين طويلة من عمرك عبدت فيها ربك، وبذلت لقومك، وسخرت للبر والعلم والنقاء علمك ووقتك.
وعزاؤنا في (أبنائك الأخيار)، و(بناتك الفضليات) الذين واللاتي ربيتهم على أكرم الاخلاق، وأجلِّ الصفات ليسيروا على نهجك تماماً كما علمتهم بعملك قبل علمك، فيكونون نعم الذاكرين لك، المذكرين بخصالك، المحافظين على سجاياك، ليظل ذكرك عاطراً، والدعاء لك - بحول الله - باقياً.
***
** اللهم اغفر للشيخ عثمان الصالح، واغسله بالماء والثلج والبرد، واجعل اللهم قبره روضة من رياض الجنة، اللهم أبدله داراً خيراً من داره وصحباً خير من صحبه، اللهم اجبر عزاءنا فيه بلقائه في جنة المأوى، في دار لا فراق ولا أدواء ولا أحزان فيها، على سرر متقابلين، كما كنا نتقابل ونلتقي في داره بالدنيا، اللهم اجعل ما أصابه من داء مكفراً لذنوبه، مطهراً لنفسه ليلقاك نقياً نقاء نفسه، طاهراً كمسواكه، أبيض كبياض ثوبه!
|