Sunday 26th March,200612232العددالأحد 26 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"متابعة "

ورحل مربي الأنجال والأجيال ورحل مربي الأنجال والأجيال
*عبد العزيز بن عبد الرحمن الخريف

كذلك الموت لا يبقي على أحد
مدى الليالي من الأحباب محبوبا
إنه شيخنا الفاضل عثمان بن ناصر الصالح رحمه الله. فبعد إجراء العملية الدقيقة الملاصقة لجدار (بنك الذاكرة والمعلومات) برأسه أخذ أفواج الزوار من محبيه ومن تلامذته وعارفيه يتجهون صوب مستشفى الملك فيصل التخصصي للاطمئنان على صحته متفائلين بنجاح العملية في البداية، كما أن رنين الهواتف لا يتوقف طيلة إقامته بالمستشفى التخصصي ومدينة سلطان بن عبد العزيز الإنسانية للخدمات الطبية للاستفسار عن حالته الصحية مرونة بالدعاء له. كما أفاض الكثير من الكتاب والشعراء بدورهم عبر الصحافة بالثناء عليه وعد شطر كبير من مآثره الحسان ونشاطاته الأدبية والثقافية، والتنويه بما يتمتع به من تواضع جم وطيب معشر، وبحرصه الدائم على تلبية الدعوات وإن بعد مكانها داخل الوطن أو خارجه، فهو صديق وفي ومحب للجميع.
وأذكر أنه قد بدأني بالمراسلة قبل أن أسعد بمعرفته ومقابلته أيام كان مديراً لمعهد الأنجال الواقع قبالة الناصرية بالرياض عام 1380هـ وأنا مدير لمعهد المعلمين بحريملاء آنذاك، ولا زلت محتفظاً بتلك الرسائل القيمة التي أبدى فيها اغتباطه بثناء بعض الموجهين على حسن سير العمل لدينا بالمعهد، وقد حثنا - رحمه الله - على الاستمرار في مواصلة نشاطنا وتشجيع الطلبة على التحلي بالأخلاق الفاضلة واحترام معلميهم، وبالمثابرة في التحصيل العلمي والأدبي والخطابة معاً، فهم رجال الغد.
كما قد سعدنا بالاجتماع به في مناسبات عدة كانت تُقام في بعض المدن؛ مثل: مكة المكرمة، والطائف، ونجران، والغاط، وروضة سدير، والمجمعة، وحريملاء، والقصيم، وغير ذلك من المناسبات السعيدة. وكان جلوسه دائماً في صدر تلك المحافل وبالصالونات المنزلية الأدبية لمكانته العالية في القلوب تكريماً وتقديراً لما يتمتع به من خلق كريم وأدب جم رفيع المستوى، وكثيراً ما يؤنس الحضور بأحاديثه الشيقة، وبنظمه الشعري المباشر الخفيف على القلوب والأسماع، وبتعليقاته ومداخلاته أحياناً في بعض المجالات، فهو بحق بدر المجالس والمنتديات الأدبية.
يتزين النادي بحسن حديثهم
كتزين الهالات بالأقمار
ولكن شعوباً بعدما أدخل المستشفى - كما أسلفنا - أخذ يرقب عن قرب الإذن له من المولى بأن يرحل بشيخنا الحبيب إلى دار الخلود، فلما انتهى رصيده الزمني من أيام الدنيا فرَّت روحه الطاهرة إلى باريها في ليلة السبت 25-2- 1427هـ، وصلي عليه بعد صلاة العصر في جامع الملك خالد بأم الحمام بالرياض، وقد ضاق ذلك المسجد وساحاته بالمصلين رجالاً ونساءً، فبكاه من حوله من الأهل وأفراد أسرته ومحبيه في تلك اللحظة الحرجة المحزنة راجين من المولى أن يحسن وفادته ويسكنه الفردوس الأعلى.ولقد أحدث غيابه فجوة واسعة في الميدان الثقافي وفي المنتديات الأدبية؛ كاثنينيته التي كانت تكتظ بالأدباء ورجال الفكر والعلم.
وكان ينتقي ويستضيف فيها نخبة ممتازة من العلماء والأمراء والأدباء وكثيراً من رجال الأعمال؛ فهي ملتقى ممتع ومفيد جداً، وأكثر الحضور من الأدباء والمفكرين من رجال هذا الوطن، بل يحضرها الكثير من السفراء ورجال السلك الدبلوماسي من بعض الأقطار الشقيقة؛ فهي نبع ثر من المعرفة؛ مما جعلها تؤم وتقصد كمثيلاتها من المنتديات الأدبية ومجالس الوجهاء والمفكرين، وكأني بمن اعتاد الحضور إلى ذاك المكان الرحب (الاثنينية) - وصدر صاحبها أرحب - يقول للشيخ عثمان قبيل رحيله:(ومن اتخذت على الضيوف خليفة؟!).
والأمل معقود بأبنائه البررة ليعملوا شيئاً ما ليدوم التواصل إلى ذلك المكان الذي ألفوه، ولتجدد الذكر والدعاء لمن وارته الترب حميدة أيامه, ولئن بعد عنا أبو ناصر وأوغل في البعد فإن شخصه سيظل ماثلاً في ذاكرتي ومخيلتي، وذكرياتي الجميلة معه لا تبرح خاطري مدى عمري. كما لا يفوتني التنويه والإشادة بعمله القيادي والتربوي أثناء عمله مديراً ناجحاً لمعهد الأنجال الذي ظل فيه أكثر من ثلاثين عاماً قائداً لمسيرته محترماً مهيباً:
ثلاثون عاماً بل ثلاثون درة
بجيد الليالي ساطعات زواهيا
فقد تخرج على يديه عشرات الأفواج من أبناء الملوك والأمراء وكثير من أبناء هذا الوطن الذين تسنَّموا المناصب العالية، وكان - رحمه الله - محل التقدير والتكريم من ملوك هذا الوطن ومن تلامذته الأمراء وغيرهم، فهو خير مرب ومعين لما وصلوا إليه من علم وأدب رفيع وثقافات عالية.
وقد كرمته الدولة أعزها الله ومنحته وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى، ونال دروعاً عدة وشهادات تقديرية في مناسبات متكررة داخل الوطن وخارجه. وقد ترك آثاراً طيبة وذكراً حسناً ومكتبة ضخمة حاوية نفائس الكتب وسائر المراجع العامة والخاصة والمخطوطات النادرة، وقد أفنى عمره في جمعها وانتقائها من أشهر المكتبات والمعارض الدولية في الداخل والخارج، مع ما انضم إلى أرففها من الكم الهائل من هدايا أصدقائه ومعارفه وتلامذته، وكأني به عندما أحس بدنو أجله أخذ يقضي الساعات الطوال داخل المكتبة يسرح طرفه في أرجائها، ويطيل النظر في تلك الرفوف المثقلة بأحمال الكتب الحبيبة إلى قلبه وبداخله ما به من تحسُّر على تركه إياها مردداً داخل نفسه هذين البيتين المشهورين:
أقلب كتباً طالما قد جمعتها
وأفنيت فيها العين والعين واليدا
وأعلم حقاً أنني لست باقياً
فيا ليت شعري من يقلبها غدا
رحمك الله أبا ناصر، وأسكنك عالي الفردوس، وألهم ذويك وأبناءك ومحبيك الصبر والسلوان.

* حريملاء

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved