Sunday 26th March,200612232العددالأحد 26 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"متابعة "

وداعاً أيها المربي والأديب وداعاً أيها المربي والأديب
د. محمد بن سعد الشويعر

الموت حق وكل الناس ذائقه، ولكن هناك من يكون وقع موته على القلب أليماً، وأثره في النفوس بليغاً، لأنهم عرفوا فضله، وأدركوا مكانته.
فالشيخ عثمان الصالح الذي أفل نجمه - رحمه الله - يوم الجمعة 24-2-1427هـ، المربي الكبير، والأديب الضليع، كان شمعة مضيئة في علم التربية، محبوباً من طلابه - وهم علية المجتمع - لا يحمل العصا ليخيفهم، ولكنه يبادلهم الحب الأبوي، والعطف المصلحي، فكانت القلوب تحبه، والأفئدة تشرئب إلى توجهاته ونصائحه، فحمدوا العاقبة.
فقد أحبه المربون لسعة باله، وطول تجربته، وهو الذي لم يأخذ التربية بنظريات المؤلفين، ونقل المستغربين، فكان مربياً ناجحاً، أسر من يعمل معه بحسن الخلق، وبشاشة الوجه، فلا يعاتب أو يعنف، من وجد عليه ملاحظة، ولكن يبتسم ويرشد.
فعرف البعيد عنه في العمل، بحسن سيرته، وسمو أدبه، مما جعله مشاركاً وحاضراً، في كل مناسبة تربوية، وكان ناصحاً وموجهاً لكل نظرية تطرح، ويراد منها التطوير، ذلك أن تجربته الطويلة في الميدان التعليمي، أعطته - بفضل الله - نفساً طويلاً، ومنزلة ذات مكانة..
لأنه يحب التربية المستمدة من التوجيه الرباني، ليربط الفرع بالأصل، إذ كان مخضرماً، ولكنه تمسك بالقاعدة الراسخة: الفرع تنظيماً للدراسة على مراحل ومناهج محددة، وبحصص وساعات.
والأصل: وهو منهج الرعيل الأول من هذه الأمة، في تهذيب النفوس، وتأديب طلاب العلم، بما أدبهم به، من أدبه ربه فأحسن تأديبه بالخلق الحسن، وحسن التوجيه، والقدوة والآداب السامية، إذ مدحه ربه بذلك فقال سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ{ (4) سورة القلم.
فهو عليه الصلاة والسلام المربي الأول، في تاريخ الإسلام والموجه الأول في تهذيب النفوس، وتأديبهم في حسن الاستماع، وسلامة المأخذ، فأخرج جيلاً حملوا عنه علماً وأدباً وتأسى بهم من بعدهم، ممن ترك كنوزاً علمية، في تاريخ الإسلام الطويل شرقاً وغرباً، وأوجدوا مدرسة واسعة الانتشار.
فكان الشيخ عثمان الصالح، كما عرفته، وكما سار عليه في نهجه التربوي في معهد العاصمة بالرياض، حريصاً على تطبيق ذلك المنهج، وبحسن خلقه، ولطف كلماته، مع العاملين معه، والمشاركين له في ميدان العلم، إذ كانوا متجاوبين ومتفانين في العمل، فأرادوا مبادلته الشعور؛ يأمر فيطاع بطيب نفس، وينصح فيقتفى أثره عن قناعة وحب.
وفي الميدان الأدبي؛ لا يترك مناسبة إلا حضرها، ولا ندوة إلا علق عليها.. لذا كان الشيخ عثمان الصالح في المقدمة حضوراً، ومن المساهمين مشاركة ونصحاً، بحسن توجيه.
تترك كلماته عمقاً عند التلقي؛ شيخاً في حضرة المشايخ والعلماء، يشارك ويناقش، وأديباً في محافل الأدباء، بأسلوبه الأدبي، وقصائده ذات البعد المتميز ومربياً في مناقشات التربية.. لا يناهض الجديد، ولكنه يدعو لربطه بقاعدتنا الإسلامية الراسخة، وكان معروفاً بمنهجه محبوباً من الجميع.
فما أعرف أنه غضب منه أحد، في يوم من الأيام، ولا تأثر بتعليقه من سمع منه لسعات رقيقة، في النقد الهادف، وما حملت القلوب له إلا المودة، وقبول النصح، لأن من اختلط به كثيراً، وعاشره في جلساته الخاصة بمنزله، أو في ندوته الاثنينية، يدرك نقاوة فؤاده، وطهارة قلبه، وحرصه على أن يكون نصحه، وتوجيهاته، مستمداً من مشكاة النبوة، ويصب في مضمون هذا الحديث الصحيح: (الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).
فكان كلامه يخرج من القلب، فيلقى بعض القلوب المتعطشة، لينفذ فيها، إذ تأتي كلماته اللسانية، أو بعلمه وتسطيره، لترصد هذه الدلالة، مغلفة بالمديح لمن أحسن، ودعوة صادقة لمن جاد بإدراك ما ينبغي منه.
فما وظف شعره فيما يسف أو يزري بصاحبه، ولا دخل ميداناً يحرك الضغينة، لأنه - رحمه الله - عف اللسان ولذا ندر مبغضوه، وبهت عن القول فيه حاسدوه.
فقد أجمعت القلوب على محبته، والناس شهداء الله في أرضه، وبانت آثارها عند سماع خبر موته، فكان التأثر والدعاء، في فقده ولا بقاء إلا لله سبحانه وتعالى؛ فهي سنته في خلقه.
إن الكلمات لتعجز عن تعدد مآثره ومحاسنه، الظاهرة للعيان، أما الخفية في حب الخير، فلعل الله يرفعه بها منزلة. وهذا من العمل بالحديث الصحيح: (اذكروا محاسن موتاكم).
ويجف القلم عن رصد دوره التربوي، وأثر حسن خلقه في تلاميذه الذي يحملون له أجلَّ الذكريات، وهم في مناصبهم الكبيرة، وأعمالهم الكثيرة، يؤدون له حق المعلم المربي، بعد أن أدى معهم دور حامل الأمانة الصادق الناصح. فكأن الشاعر عناه بقوله:
وإنما المرء حديث بعده
فكن حديثاً حسناً لمن وعى
فرحم الله الشيخ المربي، والأديب الشاعر، وصاحب الخلق الحسن، وأستاذ الجيل عثمان بن ناصر الصالح الذي أرضى النفوس في حياته.
ونرجو أن يرضى الله عنه في آخرته، ويسكنه فسيح جنته في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأن يجعل ما أصابه من مرضه خلال العامين تكفيراً له ورفعاً لدرجاته، ولا نقول لفقدانه إلا ما أمر الله به: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved