Sunday 19th March,200612225العددالأحد 19 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"وَرّاق الجزيرة"

مناقشة للكتابة في تحديد قبر حاتم الطائي مناقشة للكتابة في تحديد قبر حاتم الطائي
أيمن بن سعد بن محمد النفجان

إن البحث في المواضع الجغرافية في الجزيرة العربية والربط بين بعض المسميات القديمة والحديثة لم يكن يوماً من البحوث السهلة، بل إن المتصدين للبحث في هذا المجال هم قلة يعانون الكثير من الصعوبات، وذلك عائد إلى أن غالبية الجغرافيين والمؤرخين المتقدمين هم من خارج الجزيرة العربية وتفتقد أبحاثهم إلى الدقة لأنها في الغالب منقولة عن أحد سكان الجزيرة الذين التقوه في أوطانهم وليس عن مشاهدات ومعرفة شخصية لتلك المواضع، لذا فإن الكثير من رسم المواضع لدى المتقدمين يشوبه الاضطراب والتصحيف في المسميات ولقد اطلعت على مقال قيم بتاريخ 12- محرم -1427 بصفحة وراق الجزيرة بقلم الأستاذ حسان إبراهيم الرديعان، ويبدو أنه قد بذل الكثير من الوقت والجهد في محاولة للوصول إلى تحديد مسكن أحد أشهر أعلام الجاهلية ومنطقة حائل حاتم الطائي الذي ذاع صيته بما عرف عنه من مكارم الأخلاق والكرم الجم حتى صار مضرباً للمثل.
وللفائدة فإني أود أن أضيف بعض المعلومات التي توصلت لها من خلال بعض المصادر التي توفرت لديّ من خلال قراءة المقال والمصادر التي بين يدي يمكن أن أحصر الخلاف حول المواضع التي سكنها حاتم مابين المواضع التالية:
1- أضايف
2 - تنغة
3- نبقة
4- عوارض
5- توارن
أولاً أضايف، تنغة، نبقة
جزم الرديعان أن مسكن حاتم وقبره في تنغة أو جبل أضايف القريب منه.
قلت: يبدو الجزم بذلك كما فعل الرديعان بحاجة إلى إعادة نظر حيث إن رسم تلك الموضع لدى المتقدمين به من الاضطراب مما يجعل الترجيح أقرب من الجزم، فجبل أضايف اسمه الهجري وضايف حيث أبدل الألف بالواو، وقد نقل الهجري خبره عن الرزني الطائي الذي قال جبل شرقي أجا مطلع الشمس، به قبر حاتم، ليس قربه جبل(1).. أما ياقوت فقد ذكر أنه قد يكون أكثر من وموضع تتشابه أسماؤها، والجاسر حدده بشمال أجا بالقرب من جبل القاعد(2) وهو بذلك يعارض تحديد الهجري الذي قال إنه ليس بالقرب منه جبل، أما الرديعان فقد حدده بالجبل الذي يعرف بضايف في وقتنا الحاضر بالقرب من بلدة القاعد في الشمال يميل إلى الشرق، قلت: ومن هذا يتبين أن موضع أضايف ليس محدداً بشكل واضح ولعل هناك أكثر من موضع يحمل ذلك الاسم أو ما يشبهه.
أما تنغة فقد اعتمد الرديعان على ما ورد في العديد من المصادر ومنها رأي لأبي عبيد الذي نقل عن منصور بن يزيد الطائي بأنها نبقة التي يمكن أن تكون تصحيفاً لتنغة، أو أن تكون النقبين وادياً من أودية أجا تقع في الشمال الشرقي وهي قريبة من توارن(3)،وقد أورد الإسكندري تنغة وذكر أنها (قرية)* في ديار طي حيث قبر حاتم، ثم نقل عن أبي الفضل تنعه منهل في بطن وادي حائل لبني عدي بن أخزم، وكان حاتم نزله، أما نصر فقال: وكانت تنغة منزل حاتم الطائي، وحددها بأنها بالقرب من أضايف جبل فرد طويل أحمر على مغرب الشمس من نتغة(4)، أما ياقوت فقال: ماء من مياه طيء، وكان منزل حاتم الجواد، وبه قبره وآثاره.
خلاصة ما سبق الإسكندري ذكرها قرية ولم يحددها، أما أبو الفضل فذكر أنها منهل من مناهل بني عدي نزلها حاتم ولم يقل إنه سكنها أو مات فيها، أما نصر فقال إن في تنغة القريبة من أضايف منزل لحاتم، أما ياقوت فقال إنها من مياه طيء وبها آثار وقبر حاتم دون أن يحددها.
ثانياً توران وعوارض:
جزم الرديعان في مقاله أن لا علاقة بتوارن حيث توجد قلعة وآثار وقبر استفاض لدى العامة أنها منسوبة إلى حاتم، بل إنه رأى أن القول بها ما هو إلا تعسف وبعد عن التحقيق وتصديق لخرافات وأساطير، ويبدو لي أن الرديعان قد بالغ في مخالفة من قال إن توارن هي موطن حاتم وبها قبره، فالشواهد التي بينها العلامة حمد الجاسر في بحثه عن هذا الموضع في كتابه شمال المملكة وأيدها بمشاهدات وقصائد شعرية ترجح ما استفاض لدى عامة سكان حائل ومنذ القدم ومن تلك الشواهد:
1- أشار حاتم في إحدى القصائد التي قالها بعد خروجه من عند آل جفنة ملك الشام إلى أن مواسل قريبة من مسكنه حيث قال:
أتاني من الديان أمس رسالة
وغدار بحي ما يقول (مواسل)
وعلق الجاسر على ذلك بالقول مواسل هذا هو ما يعرف بالرعيلة من أعلى قمم أجا، وهو مشرف على شعب توارن(5).
2- إن جبل عوارض الذي ذكر العديد من متقدمي الجغرافيين أن قبر حاتم به كالقيسي والبكري والخوارزمي الزمخشري وغيرهم، قريب من توارن بحسب الجاسر(6).
3- والعديد من المتأخرين ممن بحث في تاريخ وجغرافية المنطقة أيد أن توران هي موطن حاتم، منهم الدخيل في كتابه (القول السديد) حين قال: شمر الذي عرفت به القبيلة لما مات دفن في توارن، بجبل فيه قبر حاتم الطائي المشهور بالكرم(7).
4- إن ما نقله الرديعان عن بعض المصادر المتقدمة من أن توارن من مساكن قيس بن شمر، لا ينفى إمكانية سكنى حاتم فيها، فكلاهما من قبيلة الغوث الطائية بل هما يلتقيان في الجد الثالث ثعل بن عمرو، فإن كانت توارن من مساكن إحدى قبائل الغوث فما ذلك إلا مرجح لسكنى حاتم بها.
5- يرى الجاسر أن جغرافية توارن تتميز بأنها من أحصن المواقع، وفي داخله متسع من الأرض، وفيه آثار عمران قديم، مما جعله يرجحه على الموضع الآخر الذي أورده بعض الجغرافيين في وادي حايل غير المحصن(8).
ختاماً أن الذي أرجحه هو أن حاتم كان يسكن توارن وبها قلعته وقبره، ويبدو أن حاتم وقومه كانوا ينزلون المنهل الواقع شرق أجا في أوقات الربيع على عادة البادية على مر العصور، وعلى الأرجح أن الأمر قد اختلط على قدماء الجغرافيين، وما ذلك إلا استنتاج لا ينفي أي رأي آخر فعلم الجغرافيا من العلوم القائمة على الترجيح والاستنباط لا الجزم.. وختاماً أتمنى أن يكون المقال قد أضاف معلومات جديدة للقارئ الكريم.. والله ولي التوفيق.
(1) - التعليقات والنوادر، عن أبي علي هارون بن زكريا الهجري، ترتيب حمد الجاسر، الطبعة الأولى، ج3، ص 1629 - 1628.
(2) - المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية شمال المملكة، تأليف حمد الجاسر، منوشرات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الطبعة الأولى، ج1، ص 97.
(3) - المصدر السابق، ص 1323.
* ذكر الأسكندري وجود قرية من حضر موت تحمل نفس الاسم ثم قال وأيضاً في ديار طيء أي أنها قرية أيضاً والله أعلم.
(4) - كتاب الأمكنة والمياه والجبال والآثار ونحوها المذكورة في الأخبار والأشعار، تأليف أبي الفتح نصر بن عبدالرحمن الإسكندري المتوفى سنة 561، تحقيق حمد الجاسر، منشورات مركز الملك فيصل ودارة الملك عبدالعزيز 2004، ص 230.
(5) - شمال المملكة، ج1، 260
(6) - المصدر السابق، ص 265.
(7) - المصدر السابق، ص 264.
(8) - المصدر السابق، ص 261، 260، 259.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved