كتب الدكتور وليد فتيحي في زاويته: (آفاق من الحياة)، بتاريخ 24-12- 1426هـ تحت عنوان: (مأساة الدواء في بلادنا)، كما كتب الدكتور ياسر حسن سلامة بتاريخ 2-1-1427هـ، في هذا الموضوع نفسه.. الحديث تناول ارتفاع أسعار الأدوية في بلادنا إلى درجات عالية، وربما نقول إنه مبالغ فيها.. والدواء اليوم عندنا وعند غيرنا أصبح ضرورة، ولا نبالغ إذا قلنا إنه مقدم على الغذاء وضرورات الحياة بعامة، والدواء تتقاذفه حالات وممارسات شتى، وأكبر الظن أن في مقدمتها لوائح وقيود وزارة الصحة التي ربما صنعت بتلقائية لتتحكم الوزارة في هذه المادة التي أصبحت هم الحياة, أنا لا أريد أن تكون ممارسات استيراد الدواء فوضى، يعبث به ويمارس كل من هب ودب، ولكنا نريد قيوداً للانضباط، وليس للتعقيد وفرض الإرادة للمزيد من الهم في الحياة.
* ولعل مطالبة الدكتور وليد فتيحي منح المستشفيات الكبيرة صلاحيات استيراد ما تحتاج اليه من أدوية فيه تيسير، لأنا في كثير من الأحوال نراجع أطباء في هذه المستشفيات فيكتبون لنا وصفات طبية، وحين نسعى إلى أماكن بيع الأدوية في المستشفيات نفسها، نجد بعض الأدوية ولا نجد البعض الآخر، ونسعى إلى مخازن الأدوية في الأسواق، وقد نجد بعض الأدوية ولا نجد أنواعا مما وصف، فندور في حلقة مفرغة، لمراجعة الطبيب المختص الذي قد يكتب اسما آخر من الأدوية، وقد يقول للمريض إن ما وصفه من دواء هو المطلوب، وهكذا دواليك.
* وتجار الأدوية من أصحاب (الشنطة) والسماسرة والسوق السوداء، هم أصحاب البلاء والمستفيدون من قيود وزارة الصحة.. وما أكثر ما تحدثت إلى أصحاب ومديري المستشفيات الكبرى، فنسمع منهم أن نقص الدواء يضطرهم إلى الإتيان به من الخارج، يحمله ركاب أو نحو ذلك، لأن قيود وزارة الصحة تحرم عليهم استيراد ما يحتاجون اليه من أدوية.. ونسمع أن وكلاء استيراد الأدوية يهملون استيراد أنواعا منها لأن ربحها قليل، فيحدث النقص فيه، ووزارة الصحة تسمع وتتفرج وقد يكفيها ذلك.
* يقول الدكتور وليد فتيحي: عن عدم توفير كثير من الأدوية المهمة في بلادنا، وصعوبة الحصول عليها بالرغم من سهولة الحصول على أكثرها من دول عربية مجاورة أو من أوروبا، ويمكن تصنيف الدواء المتوافر في البلاد إلى قسمين رئيسيين، أولهما أدوية غير مسجلة ولها وكيل, ويذكر الكاتب أن الأدوية المسجلة التي يحدث فيها النقص ادعاء الوكيل أنها غير مربحة، وأخرى يحدث فيها نقص ولا يهتم الوكيل لذلك، ويرى وهو يتهرب من متابعة المستشفيات له لأن لا يملك الرد وهو محتكر لاستيراد الدواء.. وذكر الدكتور وليد أن أنواعا من الأدوية ضرورية ومهمة، ومنها أدوية خاصة بأقسام العناية المركزة ولابد من توافرها في حالات ما بين الحياة والموت، تضطر المستشفيات الى الحصول عليها بشتى الطرق لإنقاذ حياة مرضاها.. وثم نقطة مهمة أثارها الكاتب وهي تساؤله: (ما الذي يمنع تعدد الوكلاء في بلادنا؟ إذ إن كثيراً من دول العالم يوجد فيها أكثر من وكيل للدواء الواحد مما يفتح باب المنافسة)، لئلا تحتكر جهة واحدة حق استيراده، ولا سيما في حال عدم وجود البدائل! ويقول الكاتب: لماذا لا يلزم الوكيل باستيراد كل دواء مسجل تنتجه الشركة التي يمثل وكالتها؟، غير أن الوكيل يهتم بالأدوية التي تدر عليه أرباحاً أكثر.. ويقول الدكتور وليد: إن المتضررين الحقيقيين هم المرضى، وكل من يرفض التعامل مع تجار الشنطة والسوق السوداء.. وعلى فرض أن الوكيل لا يرغب استيراد الدواء لأي سبب ولا يمكن إرغامه على ذلك: فإن الحل أن يتاح استيراد تلك الأدوية مباشرة من قبل المستشفيات دون الرجوع إلى الوكيل.
* ويعقب الدكتور ياسر حسن سلامة فيما يختص بأسعار الأدوية عندنا بتاريخ 2-1-1427هـ فيقول: (ولا أعلم أين الخلل؟، فالشركات المصنعة أو الوكلاء المنتجون الأساسيون المصدرون لأي دواء في العالم لا يختلفون، فمن يصدر لنا يصدر لجميع الدول المجاورة والحقوق محفوظة ومسجلة إلا من أعطي ترخيصا بتصنيع بعض الأدوية في بلده، وهذا يدعم رخص الدواء.. إذاً لماذا تزيد أسعار الأدوية في صيدلياتنا إلى الضعف، وربما الثلاثة أضعاف؟ فهنا مستورد وهناك مستورد، والمعروف أن الرسوم على استيراد الأدوية لدينا أقل بكثير من غيرنا).. ثم يقول الكاتب: (وهنا مبدأ عند كل تاجر وبالأخص أصحاب هذه الصيدليات، أن ربح صيدلية يعوض خسارة الأخرى، فتفتح الفروع ولو في الأزقة، والشواهد واضحة وكثيرة، وكل هذا من ظهر المريض وبالأخص الفقير أو المسكين الذي إن وجد لا يكفي لأكل وشرب أبنائه).
* وفي سنين ماضية كنا نسمع أن عينات أدوية تعرض على وزارة الصحة من قبل الوكلاء، لإعطائهم إذنا بالاستيراد وقد يكون المنع، ويظلون شهوراً طوالا ينتظرون السماح لهم بذلك، لكن وزارة علها لا تحس بهموم المرضى، ولو كان في مستشفيات الوزارة الدواء لشروه، ولكن هذه المستشفيات حين نراجع طبيباً فيها، يكتب إلينا وصفة الطبيب، ويقول اشتروا ذلك من السوق لأن صيدلية المستشفى لا يوجد فيها الدواء.
* إن وزارة الصحة مطالبة اليوم بالتيسير في موضوع العلاج، لأنه من أولويات ضرورات الحياة، وعليها أن تذلل تلك القيود المعطلة والمكبلة لحركة الحياة العلاجية، ففي ارتقاء الحياة وتطورها، تصبح ممارسة التعقيد تعطيلا وتأخيراً في مسيرة الحياة الجادة المنجزة، فالتعسير لم يكن ولن يكون سبيلا إلى حركة حياة مطلوب فيها اليسر، وإن من شدد شدد الله عليه كما يقول من لا ينطق عن الهوى.
* ولعل الوزارة تدرك أن الارتقاء في الحياة لا يكون عبر العراقيل وفرض إرادة تضر بالحياة ومن فيها، وإن الدين الإسلامي الذي ندين به دين يسر لا عسر فيه، ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - يقول: (يسَّروا ولا تعسروا)، ومن يسَّر يسَّر الله عليه.
* نحن نردد أننا نسعى إلى الارتقاء ومجاراة الحياة فيما ينفعنا ولا يضرنا، غير أن كثيراً من ممارساتنا لا تسير على نمط ما نقول وما نردد، وإنما نقول غير ما نعمل، وذلك ما يقود إلى التعطيل، الذي يصل إلى تعبير كاتب بأن هذه الممارسة التي تفرضها وزارة الصحة - مأساة - فهل نحن موفقون حين نركن إلى اختلاق المآسي وفرضها، لتزيد حياتنا عسراً؟، وأمم أخرى على وجه الأرض لا تعرف العسر في حياتها العلاجية وأنماط عيشها، لأنها تدرك مردود العسر فتتجنبه، أما نحن المسلمين فإننا لا نرى فيه بأسا، ذلك أننا نسميه بتلقائية سلبية أنه إجراء لابد منه ولا محيد عنه، ولا داعي أن تتوافر الأدوية في البلاد، ويمكن أن يقال لنا فتشوا عن بدائل، أو اذهبوا لشرائه من الخارج كلما احتجتم إليه، وإذا قالت شرائح كثيرة منا إنها غير قادرة، فلا جواب لما نقول، وإلى الله ترجع الأمور.
|