كنت قد كتبت قبل أسابيع عن تصريح لأحد أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محافظة الطائف، أشار فيه إلى أن جلد الشباب (فورياً)، ودون حكم قضائي، هو أحد أسباب تدني المعاكسات في محافظته إلى مستويات منخفضة كما يقول. هذا التصريح (العنتري) الذي لا يمت لحقوق الإنسان بصلة، تذكرته وأنا أقرأ عن القضية التي نشرتها جريدة الوطن مؤخراً، وفحواها أن مواطناً اعتدى عليه أعضاء الهيئة بالضرب لمجرد أن (شك) فيه أحدهم أنه يصطحب معه امرأة (غريبة) ليست زوجته، وقد اتضح لهم - متأخرين كالعادة - أن (شكهم) من الأساس ليس في محله، فحاولوا (لملمة) القضية والتنصل من (تجنّيهم) على الرجل وزوجته، إلا أنهم لم يستطيعوا، وتم رفعها للجهات المختصة، مثلما جاء في القضية التي نشرتها (جريدة الوطن) السعودية في عددها الصادر في 11-12-2005م. إذن فالشك في الناس، والتربّص بهم، ومراقبتهم، والتجسس عليهم، وسوء الظن بهم، هو الأصل وليس إنكار المنكر (الظاهر) هو القاعدة حفاظاً على النواحي (القيميّة) للمجتمع الإسلامي التي ما قامت (ولاية) الحسبة أساساً إلا لضبطها. وعندما يُطلق القائمون على الهيئة العنان لأفرادها، ويسمحون لهم أن يجلدوا الناس في الأسواق، وأن ينكلوا بهم، وأن يُراقبوهم، وأن ينقضوا عليهم متى شاؤوا، وكيفما شاؤوا، ويكشفون أستارهم، و(يُرهبون) أطفالهم ونساءهم ومحارمهم لمجرد (الشبهة)، فإن القضية هنا تخرج من ولاية الحسبة المطلوبة شرعاً، لتصبح (تجنيّاً) بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وبالتالي يجب ألا تمر هذه القضية دون مساءلة وعقاب وحزم وحسم، يُسألُ عنها، وعن تبعاتها كلُّ كبار مسؤولي الهيئة وليس فقط من اقترفَ هذه الجناية. قد يقول القائل: وما ذنب مسؤولي الهيئة، طالما أنه تصرفٌ (فردي) من عضو أو أكثر من أعضائها؟ لا - أيها السادة - ليس الأمر كذلك البتة، ففي العمل المؤسساتي، يجب أن تطالَ المسؤولية والمحاسبة كل المستويات الإدارية، خصوصاً وأن ظاهرة (تعديات) أفراد الهيئة على المواطنين أصبحت على كل لسان، يتحدث عنها ويتذمرُ منها الجميع، ولولا أن أولئك الذين يتربّصون بالناس، ويراقبونهم، ويتصيّدون زلاتهم، ويتلذذون بكشف (عوراتهم)، مدعومون من كبار مسؤوليهم المباشرين لما وصلَ الأمر اليوم إلى ما وصل إليه. أما إذا كان مسؤولو الهيئة آخر من يعلم عن مثل هذه التجاوزات، وقد بلغت هذا الحد الذي يندى له الجبين، فهذه بحدِّ ذاتها (مصيبة) تدينهم قبلَ أن تبرئهم! والشأن الأهم من كل هذا الذي ربما أنه يخفى على البعض، أن مثل هذه التصرفات (البوليسية) و(التنفيرية) التي أصبح يُمارسها بعض أعضاء الهيئة لا تمت (لولاية الحسبة) في الإسلام بصلة. بل هي (إساءة) لهذا الشأن العظيم في الدين، بكل ما تعنيه كلمة (إساءة) من معنى. فالأصل في الدعوة، كما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (الترغيب) وليس (التنفير)، و(التستر) على المسلمين، وإشاعة الفضيلة، وليس إرهاب الناس وترويعهم وتخويفهم وتتبع عوراتهم والتشهير بهم، بذريعة البحث عن المخالفات الشرعية. ولولاية الحسبة في الإسلام ضوابط وأخلاقيات، ولم تترك لمزاج هذا أو ذاك، أو للتشفي من خصومهم، ولو طبق أعضاء الهيئة ومسؤولوها بأمانة مثل هذه الضوابط والأخلاقيات، لما وصل الأمر إلى هذا المستوى المخجل، ولما انقلب هذا الشأن العظيم في الإسلام إلى هذه الدرجة المشوهة من الممارسات والتعدّيات التي لم تعرف بهذا المستوى من (التشويه) في تاريخ الإسلام. يقول الإمام ابن تيمية عن أخلاقيات المحتسب ما نصه: (ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود). ويقول - رحمه الله - في الخصال التي يجبُ توفرها في المحتسب: (فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه والصبر بعده وإن كان كل من الثلاثة مستصحباً في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعاً، ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه). انتهى. ويقول الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) ما نصه: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه (لا يسوغ) إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله). وعن فضيلة (الستر) في الإسلام التي يجب أن يلتزم بها المحتسب، بل هو أول من يجبُ أن يلتزم بها، يقول صلى الله عليه وسلم: (لا يستر عبدٌ عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم. والسؤال الذي أتمنى أن ينبري للإجابة عنه واحدٌ ممن يُدافعون عن (تعديات) الهيئة وتجاوزاتها: هل شروط ابن تيمية وابن القيم في هذه الولاية الشرعية تواكب تصرفات هؤلاء الذين نفّروا الناس من الدين بتصرفاتهم هذه الأيام؟ وأرجو ألا يقول قائل من (متعصبيهم) إن ابن تيمية - رحمه الله - قد (مَيّعَ) هذه الولاية الشرعية بهذه الشروط المتسامحة والمنضبطة والمسؤولة، كما هو دأبهم دائماً مع كل من يدعو إلى اللين والدعوة بالحكمة والرويّة والتسامح، فقد سئمنا من هذه (الحجة) التي أوصلتنا إلى هذا المستوى من التزمت البغيض.
|