وبالمناسبتين كل عام والصحيفة الغراء (الجزيرة) وأهلوها وقراؤها وعامة المسلمين بخير، وليعدهما الله على المسلمين بأحسن مما هم فيه. وعن رمضان أقول: عندما أتذكر رمضان في بداية الطفولة (تصوروا متى كان ذلك) وعندما يقولون غداً رمضان، وسيجيء رمضان، وراح رمضان.. أتصوره شيخاً جليلاً يحمل عصا يمنع الناس من الأكل والشرب وخصوصاً عندما آكل في نهاره (طفلاً) فيقول لنا الكبار: احذروا أن يراكم رمضان حتى لا يكسر أسنانكم. وكبرت قليلاً وصار الوالد والوالدة- رحمهما الله- يشجعانني وإخوتي على الصيام ويقولان: صم درجات المئذنة (وهو اصطلاح نابلسي يقصد به الصيام حتى الظهر حين يرقى المؤذن درجات المئذنة ليؤذن للظهر). وبمناسبة المئذنة، فقد صعدت درجات مئذنة جامع النصر في بلدي نابلس، والمسجد سمي (النصر) لانتصار صلاح الدين على الصليبيين في حطين ومكتوب على مدخل المئذنة إنه (المسجد) أنشئ بأمر صلاح الدين بعد أن زار المدينة، صعدت درجات المئذنة قبيل الفجر ولم يكن هناك أي نور ووصلت نهايتها حيث يقف الشيخ المؤذن فسمعني (سمع خطواتي) الشيخ زكي العفوري أبو بديع (صديق والدي رحمهما الله ولم يكن يعرفني وأخذ يضربني بمنشفة (بشكير) كان يضعه على كتفه ولم استطع النزول، حيث لا أرى شيئاً ثم تذكرت أن أضع يدي على العمود وسط المئذنة الذي يحيط به الدرج وألفّ بشكل دائري إلى أن نزلت. مدفع رمضان: وعند غروب آخر يوم من شعبان يتجمَّع الناس للرؤية، وكنا أطفالاً نقف في حارتنا (حارة القريون القديمة بالبلدة القديمة من نابلس، والقريون سميت به الحارة لأنها فيها أكبر ينابيع نابلس وفيها مضخة توزيع الماء على المدينة) - قلت نقف لنرى الهلال طبعاً الرؤية مستحيلة من موقفنا، لكن نرى بعض الأطفال يقولون (هيّو - هيّو) يعني هذا هو الهلال. وإذا رئي الهلال وأعلن العيد ضرب المدفع سبع طلقات مزلزلة والمدفع (القديم) في نابلس كان ماسورة متينة على عجلتين (كفرين) وفي الجزء الأخير منها فتحة يدخل فيها ضارب المدفع (وكان اسمه رامز الدِّلِع - رحمه الله - المادة المتفجرة وقذيفة المدفع كانت كثيراً من الخرق يجمعها (رامز) من الخياطين ليدكها دكاً بآلة خشبية ثم يشعل عود ثقاب ليلقي من فتحة المدفع المادة المتفجرة ليشتعل البارود، كما كنا نسميه وتنطلق القذيفة بلهب أحمر يأخذ بالأبصار. وليلة إثبات رمضان يطلق المدفع سبعة مدافع (قذائف) أما في بقية ليالي رمضان فتطلق ثلاث قذائف؛ واحدة للإفطار وأخرى للسحور وثالثة للإمساك عند الفجر. وكان مدفع رمضان قديما. هدية بريطانيا العظمى لبلدية نابلس من أيام العثمانيين، وفي سنة 1946 وكانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني قدمت حكومة بريطانيا العظمى كما كانت تسمى(Great Britain) لبلدية نابلس مدفعاً جديداً عسكرياً حربياً يطلق قذائف حقيقية وليس خرقاً، وقد قدم في حفل مفتوح في ملعب بلدية نابلس وقدمه المندوب السامي أليكس كير كبرايد لرئيس البلدية آنذاك (سليمان عبدالرزاق طوقان) وجاءت معه فرقة من موسيقى القِرَب يعزف عليها (السكوتش) الذين يلبسون (وزرات - تنانير) وعزفت الموسيقى في استعراض في الملعب، ثم ألقى المندوب السامي كلمة بالمناسبة أذكر منها قوله (وأرجو ألا تستعملوه في الحروب) ولم يمض على كلامه سنتان حتى قامت الحرب الأولى بين العرب واليهود عام 1948م لكن لم يستعمل فيها المدفع، قد أطلق المدفع قذيفة حقيقية ساعتها (بعيداً في أحد بساتين نابلس). وقد حُوِّل المدفع أيضاً إلى طريقة الخرق وإلا لكسر زجاج المدينة كلها. بداية صيامي: وكنا نقلِّد الكبار ونصوم ونتعب ولا نعرف كيف نقضي نهار رمضان، وفي أحد الأيام وكنا نصحو مبكرين جداً وانطلقنا صائمين إلى قرية (بلاطة) والناس يسمعون عن مخيم بلاطة وصمود أهله أكثر مما يسمعون عن الأصل، وهي قرية مشجرة دخلت في حدود بلدية نابلس، وفيها قبر يقال إنه قبر النبي يوسف وصاروا يقولون عنه (قبر يوسف) حتى لا يستولي عليه اليهود وفعلا استولى اليهود عليه لكنهم تركوه لكثرة ما تعرضوا فيه إلى الرجم بالحجارة والمقاومة المسلحة. المهم أننا دخلنا إلى بستان فيه أشجار السفرجل (quinces) وكانت ثماره خضراء أقسى من الخشب، ملأنا جيوبنا بالسفرجل - غفر الله لنا - والسفرجل إذا نضج لذيذ أطيب من التفاح، لكنه يقف في الحلق، ويقول الأطباء الشعبيون إن المرأة الحبلى إذا أكثرت منه جاء الولد جميلاً - جرَّبْنه - ومرة وأنا عطشان عطشاً شديداً وفي حارتنا سبيل يسمى (عين التوتة) حيث كانت توجد شجرتا توت (سمي الجزء من حارة القريون الموجودة فيه الشجرتان - حارة التوتة)، وكانت ماء هذا العين في أغسطس (فريزر) شربت وشربت وامتلأت ولم أعلّم أحداً ولم آكل شيئاً. وكانوا يقولون: إن الناسي لا يفطر لكنني لم أنس أني صائم مرة في حياتي. التوقيت: وكنا في بداية الثانوي في أول الخمسينيات وكنت أدرس في المدرسة الصلاحية (نسبة إلى صلاح الدين أيضاً) الثانوية العريقة وكنت قرأت في الجريدة أن بداية الدوام الساعة التاسعة (الكلام عن رمضان) وجئت أمشي الهوينى إلى أن وصلت الساعة (8.55) فوجدت مجموعة من المتأخرين وقفت معهم مستغرباً، وكان مدير المدرسة الأستاذ عبدالله الخطيب ما رأيته ضرب أحداً لكنه إذا كانت المدرسة كلها في ضجة ووقف على شرفة ورآه الطلاب خشعت أبصارهم وسكتوا فلا تسمع إلا همساً، كنا نخاف منه أشد الخوف، المهم أُدخلنا إلى غرفة المدير مصابين بالهلع، وسأل المدير الجميع، لماذا التأخير ولم يجب أحد إلا حضرتي: قلت يا أستاذ لقد قرأت في الجريدة أن الدوام الساعة التاسعة. فانتفخت أوداجه واحمرَّ وجهه (أكثر مما هو أحمر) وقال لي: أظنك تجلس في التخت (سرير النوم) لتأتيك الخادمة بالقهوة، ثم الحليب والجريدة لتقرأها ثم تتفضل بتناول الفطور ثم تأتي إلى المدرسة (أشد السخرية)، ماذا لو قالت الجريدة لا مدارس أظنك لن تحضر (وكان أستاذ التاريخ صادق عودة يضحك ويخفي وجهه بالجريدة) المهم أظن الأمر انتهى بهذه (البهدلة) وصرفنا إلى فصولنا. (الدوام كان للمدارس 8.30 وللموظفين 9) الأكل في رمضان: مثل كل العرب والمسلمين للصائمين التمر والشوربة والفطائر والأكل العادي من أرز وخضار ولحم والأشربة (السوس والخرّوب والتمرهندي - غالباً)، والسحور (طبيخ أيضاً) ولا بد من طبق الحمص (مرغوب أكثر من الفول عندنا آنذاك) والمخللات والحلويات المعروفة وأشهرها في رمضان (القطايف وقمر الدين). ليل رمضان في نابلس: وكل العالم الإسلامي يضاء في رمضان، وفي نابلس يسهر الناس إلى السحور وتفتح أكثر المحلات وخصوصاً محلات الحلويات والمكسرات وألعاب الأطفال - على قلتها آنذاك - والخياطين والحذائين (كان شبه عيب أن تشتري الملابس والأحذية الجاهزة على قلتها أيضاً)، وينزل (إلى السوق الأولاد والبنات ليشتروا من الباعة (المبسطين) هكذا نقول (نازل إلى السوق) يمسك بعضهم بأيدي بعض وينشدون أناشيد مثل: سناسل (سلاسل) سناسل دهب، راح المعلم ع سكةْ حلبْ، (وكان له زوجتان) جاب للجديدة (الزوجة الجديدة) أساور دَهبْ، جاب للعتيقة (الزوجة القديمة) أساور خشبْ، جاب للجديدة سندوق (صندوق الأغاني الفونوغراف والجرامافون أبو هندل) بيغني، جاب للعتيقة سندوق يبكِّي. ومنها: يا راس السكَّر (والسُكر كان يأتي من مصر نوع منه على شكل مخروط ملفوف بورق أزرق مثل ورق القطن المصري) ويكسّر ويستخدم، إي والله، وقع وتكَسَّر، إي والله يسلم من جابو، إي والله، يعدي شبابو، إي والله، (فلان) وولاده، إي والله، ساند بارورو.. إلخ. ومنها: سُنسَلَبْ (أي كلام) يا سنسلب، راح بيي (أبي) ع حلب، (كانت علاقة مميزة بين نابلس وحلب وكانت بلاد الشام بلداً واحداً) دق عليَّ بالتركي (كلمها بالتركية التي تعلمها في حلب)، يا مقصوفة محسنكي، (مقصوفة دعوة بقصف العمر غير مقصودة كما يقال: ثكلتك أمك وتربت يمينك)، محمد باشي (باشا بالإمالة) قدامك، حامل بقجة حمامك، (يخدمها باشا فلا بد أنها ابنة ملك) والبقجة صرة الملابس (تكون من المخمل القطيفة الجميلة الملونة ومطرزة بالقصب (الزري) والحمام هي الحمّام التركي وليس (W.C) وما أحسن الاستحمام فيه وفي نابلس 8 حمامات تركية يعمل منها الآن حمام واحد، والبقجة حريرية، والطاسات مجلية (والطاسات من النحاس المزخرف المطلي بالأبيض يؤخذ بها الماء الحار من الجرن (مثل القدر الكبير) (السحلة) منحوت من الحجر، ليصب على العروس التي تخرج من الحمام بزفة (أكاد أبكي حسرة على ما راح)... وهناك أناشيد كثيرة أحفظها لكن يكفي. العيد: ويتراءى الناس الهلال ليلة الثلاثين من رمضان فإذا ثبتت الرؤية ضرب المدفع (سبع طلقات) وإذا لم تثبت فيكون العيد بعد غد ويضرب المدفع عصراً سبع طلقات (نقول سبعة مدافع). ولا بد من الحلاقة والاستحمام ليلة العيد، ويسهر الحذاءون والخياطون إلى الصباح وأصحاب الأحذية والملابس في الانتظار وقد يطلع النهار ويهرب أصحاب المحلات تاركين الزبائن ليضربوا رؤوسهم (بالحيط). طرفة: قالوا إن زبوناً دخل إلى صالون الحلاقة ليحلق له شعر رأسه في آخر ليلة العيد، ولما جلس على كرسيّ الحلاقة نعس الزبون ونام، فقال الحلاق: فرصة، وجلس على كرسي ونام وصحا الاثنان بعد الظهر. صباح العيد: وإن أطلْت.. ففي العيد يلبس الجميع الجديد، ويذهبون للصلاة ويعودون للبيوت ويفطرون (الطبيخ) ونحن اعتدنا في عيد الفطر أن يحضر الوالد خروفاً صغيراً يذبحه وينظّف رأسه من الشعر بالحرق، ثم يسلق ويحشى بالأرز واللحم المفروم واللوز والصنوبر ويلقى على صدر (صينية كبيرة) وكانت الوالدة - رحمها الله - تضع بعد تهيئته عروق البقدونس بفمه وكأنه حيّ يأكل العشب، إلى جانب مأكولات أخرى: المحاشي والخضار المطبوخة (3-4 أشكال)، وبعده الحلوى، وبعدها هاتوا هاضوماً. صلة الرحم: يحرص أهل نابلس على زيارة قريباتهم النساء (المحارم) ويعطونهن ما يسمى (العيدية) ولكن من لهم أقارب كثر لا يجلسون إلا القليل ويعتذرون (في الغالب) حتى عن شرب القهوة بل يقدمون (النقود) ويركضون ليخلصوا ومن ثم يتفرغون لأنفسهم وأسرهم. وأثناء أيام العيد يضرب المدفع ظهراً وعصراً 4 أيام حتى يضرب المدفع الأخير فنحزن جداً على فراق العيد. أم كلثوم والعيد: ولا بد من أن تسمع في كل مكان في العالم العربي ونابلس منه - أم كلثوم تشدو: يا ليلة العيد أنستينا، وجددت الأمل فينا، وأغنية: الليلة عيدْ، ع الدنيا سعيدْ، ومن الأولى قولها: (حرام النوم في ليلة العيد) طبعاً على طريقة الفنانين، وكنا نتباهى من يسهر ليلة العيد إلى أن يصلي ويرجع، وأذكر أنني في صباح العيد بعد السهرة الطويلة لم أستطع إلا أن أنام.. إلى متى؟ إلى صباح اليوم التالي وذهب علي أول أيام العيد. في القويع/ حوطة بني تميم وكنت مدرساً هناك عام 1379هـ وكان يحضر لنا الخبز على حمار خبَّاز يمني، لكنه يوم العيد (عيّد) وأنا بدون خبز، صليت العيد وعدت إلى البيت لا أعرف كيف أفطر، وكان عندي دقيق فعجنته وخبزت رغيفاً (بالسمن) بالمقلاة، وأخذت علبة لحم وفرمت معها بصلاً على طريقة الكباب وقليته ثم أصبت بما يشبه القرف والغثيان وتركت الأكل ونمت، وكان يسكن معي زميل لم يخبرني أن فطور الذكور جميعاً يكون في مسجد القرية (الوحيد آنذاك) حيث يحضرون الأرز واللحم والقرصان والجريش.. وكل عام وأنتم بخير.
نزار رفيق بشير الرياض |