* القاهرة - خاص ب(الجزيرة): أكد الشيخ د. جمال المراكبي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية بجمهورية مصر العربية أن الإفراط والتفريط أمران مرفوضان في حياة المسلم، فالمغضوب عليهم فرطوا، والضالين أفرطوا، أما الإسلام فهو دين الوسطية والاعتدال، والطريق الصحيح، والوسطية هي من خصائص الأمة المسلمة، وسبب خيريتها، وهي منهج يرفض الانحياز لأي قطبين متنافسين، وأيضاً لا يكتفي بالسلبية في نقطة ثابتة تتوسطهما، إنما يجمع ما يمكن من الخير منها، ويؤلف بينه، ثم يصيغه بصيغة خاصة. وقال المراكبي: إن الوسطية الإسلامية هي التي توازن بين الدنيا والدين، وفروض العين وفروض الكفاية، جاء ذلك في حوار (الجزيرة) مع د. جمال المراكبي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر.. وفيما يلي نص الحوار: * ما المقصود بالأمة الوسط، ولماذا اختصت بهذه الصفة؟ - يقول الله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، والمقصود بالتوسط أن يتحرى المسلم الاعتدال ويبتعد عن التطرف في الأقوال والأفعال، بحيث لا يغلو ولا يقصر، ولا يفرط، فإن الإفراط والتفريط مذمومان وقد نهى الله عنهما وذم أهلهما، فقال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ}. عن ابن عباس قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته (هات القط لي) فلقط له حصيات هنّ حصى الحذف فما وضعتهن في يده قال: (بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)، فمتى ابتعد الناس عن الإفراط والتفريط فقد اعتدل على أوسط الطريق واستقام على الصراط المستقيم كما أمر الله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ}. وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يسألوه: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}، فالمغضوب عليهم هم اليهود فرطوا وقصروا، والضالين وهم النصارى غلو وأفرطوا وتشددوا حتى ابتدعوا، والصراط المستقيم الذي هدى الله إليه النبيين والصديقين والشهداء والصالحين هو العمل بالعلم من غير إفراط ولا تفريط، وقد أنعم الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالهداية إلى هذا الصراط المستقيم، فكانوا بذلك أمة وسطاً، قال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. *وهل تعني الوسطية الحذر أم الجمود أم السلبية؟ - الوسطية تعني اتباع الصراط المستقيم والثبات عليه والحذر من الميل إلى أحد جانبيه، ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً محسوساً: فعن جابر بن عبدالله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله ثم تلا الآية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}، قال ابن القيّم وهذا الصراط المستقيم الذي وصانا الله تعالى باتباعه هو الصراط الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه فهو من السبل الجائزة لكن الجور قد يكون جوراً عظيماً عن الصراط وقد يكون يسيراً، وبين ذلك مراتب لا يحصها إلا الله، وهذا كالطريق الحسي، فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جوراً فاحشاً وقد يجور دون ذلك. فالميزان الذي تعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليه، والجائر عنه إما مفرط ظالم، أو مجتهد متأول، أو مقلد جاهل، وكل ذلك قد نهى الله عنه فلم يبق إلا الاقتصاد والاعتصام بالسنة وعليهما مدار الدين. وقد كثرت الآيات القرآنية في الأمر بالسوطية والحث عليها ومدح أهلها قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}، وقال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}، وقال تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ}، وقال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}. *هل تعني وسطية الأمة في نظرتها العامة للأمور أم لجزئيات الموضوعات؟ - والذي يمعن في النظر في النصوص يرى أنها تدل على أن وسطية الإسلام عامة جامعة شاملة للعقيدة والأحكام والعبادات والمعاملات والأخلاق والعادات والعواطف، وفي ذلك يقول الإمام الطحاوي: ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}، وقال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}، وهو بين الغلو والتقصير، ويقول ابن تيمية، (المسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين ولم يغلوا فيهم كما غلت النصارى ولم يجفوا كما جفت اليهود)، وقال أيضاً- رحمه الله -: (أما أهل السنة والجماعة فوسط ووسطيتهم فيها راجعة لتمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم أجمعين). إن الوسطية من خصائص هذه الأمة وهي سبب خيريتها، ولا تزال الأمة بخير ما حافظت على هذه الخاصية التي تتميز بها خاصة الوسطية التي تمثل الاعتدال والاستقامة على صراط الله عز وجل، فإذا خرجت عن الوسط إلى أحد جانبيه ففرطت أو أفرطت فقد هلكت، فإن التطرف مهلكة، والتطرف لا يختص بالغلو والإفراط وإنما الغلو والإفراط تطرف والتقصير والتفريط تطرف أيضاً، وكلاهما مهلكة للفرد والمجتمع. فالذي يفرط في حق الله ويقصر في القيام به متطرف سواء ترك الصلاة أو منع الزكاة أو ترك صيام رمضان أو ترك الحج مع القدرة عليه، فهذا إنسان متطرف إذا ضيع حق الله كان لغيره من الحقوق أشد تضييعاً، فهولا يبر أبويه، ولا يصل رحمه، ولا يكرم اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، منتهك للأعراض، وسالب للأموال، ممزق للأرواح فهو شر ووبال على المجتمع. * ومادام الإسلام دين الاعتدال والوسطية لماذا يلجأ البعض للغلو والتطرف؟! - إن الذي يتطرف إلى جهة الغلو والتشدد والتزمت يوجب ما ليس واجباً ويحرم ما ليس بمحرم، يكفر المسلمين ويفسق الصالحين، فيستحل دماءهم وأموالهم، ويخرج على حكامهم وأمرائهم، فيثير الفوضى ويسعى في الأرض فساداً {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. ومصطلح الوسطية في المفهوم الشرعي حينئذ كما رأينا ليس مرادفاً للغثائية أو للتجمع الفكري أو الانعدام الموقف المحدود وخصوصاً عندما يتطلب الأمر حسماً وتحديداً، كما أنه ليس إمساكاً للعصا من المنتصف كما يظن البعض أو يعتقد، وإنما الوسطية منهج يفض الانحياز لأي من القطبين المتناقضين ولا يكفي بالوقوف السلبي في نقطة ثابتة تتوسطها، وإنما يجمع ما يمكن من الخير منها ويؤلف بينه ثم يصفه بصفة خالصة مغايرة ومتميزة عنهما. وبنجاح المسلمين في الحفاظ على هذه السمة التي اختصت بها أمة الإسلام يمثل عامل النجاح في تقدمها، والإخلال بها يعني افتقارها ميزتها فتتحول من أمة شاهدة رائدة إلى أمة مشهودة رائدة إلى أمة مشهودة لا تملك حتى النهوض بمقدرتها، ولقد بدت سمات وقسمات الوسطية في الحضارة الإسلامية والتي كانت جوهر البناء الحضاري وأصل أصيل في تقدمها. فها هي وسطيتنا الإسلامية نجد فيها التوازن بين الدين والدنيا، فنحن نعمل في الدنيا كأننا نعيش أبداً ونعمل للآخرة كأننا نموت غداً، وصلاح الدنيا من حولنا أساس لصلاح الدين عندنا، لأن الإنسان إذا لم تصلح دنياه بتوافر الكفاية في المأكل والملبس والمسكن والأمن لن يجد الوقت إلا ولا الجهد ولا الأمن اللازم لأداء شعائر دينية، وها هي وسطيتنا توازن بين فروض العين وفروض الكفاية بين فرائض الفرد وفرائض المجتمع. * ما هو الواجب على المسلم ليلتزم بالوسطية؟! - الواجب على كل مسلم ومسلمة أن ينأى عن التفريط، وأن يبعد نفسه عن الإفراط، حتى يكون من هؤلاء الذين قال فيهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًاٌ}، وليعلم أن الفضائل كلها منوطة بعدم التفريط والإفراط في الأمور كلها، ولقد أحسن من قال: (إذا خرج الشيء عن حده انقلب إلى ضده)، فالشجاعة إذا لم تضبط صارت تهوراً، والجود إذا لم يضبط صار إسرافاً، والتواضع إذا لم يضبط صار ذلة ومهانة وخنوعاً، وهكذا، وخير الأمور أوساطها، كما قال الحسن البصري، وقال وهب بن منبه :( إن لكل شيء طرفين ووسطاً فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، فإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان فعليكم بالوسط من الأشياء). * وما تأثير الالتزام بوسطية القرآن على القدرات الفكرية للمسلم؟! - غير خافٍ على كل مسلم أن القرآن كتاب الله، له مكانة عظيمة، فهو من أعظم نعم الله على أهل الإسلام، وقد جعل الله هذا الكتاب خاتماً للكتب السابقة، جامعاً لما فيه من الخير والصلاح، مهيمناً عليها، وهذا الكتاب هو كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهو معجز في لفظه وبيانه، ومعجز في تيسير تلاوته وقرآته، ومعجز فيما حواه من قصص الماضين، لنعتبر، ومعجز فيما حواه من عقائد وشرائع الدين، لنمتثل، ومعجز بما حواه من أخبار الغيب، لنؤمن ونسلم، فهو آية ظاهرة وحجة باهرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يأذن الله برفه آخر الزمان. ولا يخفى على الجميع أهمية تعلم كتاب الله، وأنه حبل الله المتين، وهو الموعظة والحجة الذي به سعادة الإنسان، قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}، وتتعدد وتتنوع الآثار المباركة لكتاب الله عز وجل، وأوفر الناس حظاً هم أصحاب القرآن وحفظته، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياهم من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، وقد حدثنا ربنا في كتابه الكريم أن ما أنزله بركاته ورحمة وهدى للمؤمنين، فقال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. *وكيف ينمي القرآن الكريم القدرات الفكرية للإنسان؟ - قدم القرآن الكريم للعقل والفكر هدية رائعة حين جعل عمله فريضة، وتفكيره عبادة شريطة أن تكون النية صالحة والوسائل صالحة والغاية المنشودة كذلك صالحة فكتاب أو آية بل أول الكلمة نزلت من هذا الكتاب اقرأ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، أمره بالتدبر في كتاب الكون المفتوح فقال تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، قال تعالى: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}، قال تعالى: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ (18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. وغير ذلك مما يفتح المجال الواسع أمام هذا الفكر الذي يتعامل مع القرآن فيهتدي بهداه ويقف على آياته التي تحقق للمهتدي بهدى القرآن سبقاً في الوصول إلى الحق المبين والهدى المستنير من أقصر طريق وبغير تجربة شخصية تضيع عليه وقته وتهلك جهدة، ويبقى في مخزون هذه العقلية من الهدايات والعبر والفوائد ما ينمي فكرة وعقله ويفتح عليه آفاقاً رحبه من خصب الأفكار بهداية القرآن الكريم، والكون كله من حوله موضوعات للبحث العلمي، ومعه واجبه أن يكتشف قوانينها ويتعرف عليها بذاتها ويسخرها لنفعه ومصلحة الخلق من حوله. * البعض يتشبث بالعقل والعقلانية فيضل ويضل لماذا؟! - العقل والفكر لابد أن يهدي إلى الهدى من أقوم طريق قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}، بل هو المقياس الذي يفرق بين الحق والضلال والخطأ والصواب، والمنطلق وهذه أو العقل المحدد لا يمكن بحال أن يكون مقياساً أو ميزاناً يحسم خلافاً أو يفصل بين حق وباطل، ويبقى الوحي سفينة النجاة الآمنة المتينة التي تنفى عن الفكر انحرافه وتنمى صواب وترعاه. إن العقل هو قوام الرشد والمجد، وهو من هداية الله عز وجل للإنسان، حيث من على الإنسان بأن هداه النجدين، والعقل هو الذي يميز الإنسان عن باقي المخلوقات التي خلقها الله عز وجل، والاهتمام بهذا العقل بما ينفعه وينميه ويزيد من مداركه ويوسع من آفاقه، وهذا الاهتمام هو ركيزة أساسية لبناء نهضة علمية وثقافية التي هي قوام الإصلاح المنشود وأيضاً القوة والهيبة بين أمم الأرض، وذلك أن المعروفة هي سبيل القوة، والقوة المطلوبة هي جميع أنواع القوة، المعرفة المطلوبة أيضاً هي جميع أنواع المعرفة، ومن الآن فصاعداً لن يكون الحصول على المعلومات في معظم الأحيان يشكل أية مشكلة للناس، ولن يشكل امتلاك المعلومات في المستقبل فارقاً جوهرياً بين الأمم والأفراد، وإنما ستأتي الفوارق الكبرى من مهارات الناس في استخدام المعلومات وتحليلها وتوظيفها ولذا فإن تنمية المهارات العقلية ستكتسب أهمية كبيرة. على الرغم من أن الذكاء ومقدار قوة العقل هي هبة من الله تعالى، إلا أن الاهتمام بحفظ كتاب الله هو الذي ينميها ويصقلها ويظهرها، وإهمال تلك الهبة هو الذي يجعلها تضمحل وتتلاشى، وكم رأينا في حياتنا نموذجاً للذكر الذي هو بال على نفسه وعلى أمته وذلك أن هذا الذكاء لم يوجه الوجهة التي يمكن أن تنميه في الطريق الصحيح والصالح، - ويمكن تنمية الجانب العقلي من خلال إتاحة المثيرات الملائمة للنمو العقلي وتنمية وتشجيع الدوافع على ذلك -. حفظ القرآن له دوره في تنمية العقل، وللحفظ دور كبير جداً في التنمية الذهنية حيث يرتبط بالقرآن الكريم. * كيف ينمي القرآن القدرات اللغوية؟ - أسلوب القرآن نمط فريد من البلاغة والروعة وإشراق البيان وجمال الديباجية وقوى المنطق والتعبير والتصوير أسلوب جمع بين الجزالة والسلاسة، والقوة والعذوبة وجمع بلاغة جميع أساليب البيان فلا هو شعر ولا هو سجع ولا هو نثر مرسل ولا خطابة وإنما هو نظم رائع جمع فصاحة شتى خصائص النظم، تحدى الله به العرب فعجزوا، فتحداهم بسورة منه فبهروا، فتحداهم بأقصر سورة، فخرسوا، ولما سمعه فصحاؤهم وبلغاؤهم وأرباب البيان فيهم سجدوا له خاشعين، وما إيمان عمر حين سمع (طه) وما فزع عتبه ابن ربيعة وقوله (والله ماهو بشعر ولا كهانة ولا سحر) حين سمع (فصلت)، وما تردد بلغاء العرب على الأماكن التي يتعبد فيها محمد ليلاً ليسمعوا هذه البلاغة الباهرة، خفية، وما عجزهم بعد التحدي، ما كل ذلك إلا دليل الإعجاز وعظمة البيان وجلال الأسلوب، وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، يوسف، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}. القرآن الكريم يهذب لغة حافظة، وتجد في كلام الحافظ أو كتابته ما يبين تأثره بخصائص أسلوب القرآن، العبارات متسقة، والنظم بديع على طول الكلام حول الموضوع، والله عز وجل وصف كلامه فقال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}، المعاني الذهنية تخرج من صورة حسية حية متحركة والحالات النفسية والمعنوية تصور كذلك في صورة حسية قال تعالى في كتابة ويضرب به الأمثال للناس لعلهم يتفكرون: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. واستخدم أساليب التصوير المتبعة في تكبيرات القرآن الكريم من حيث إعطاء الحركة لما من شأنه السكوت وضلع الحياة على المواد الجامدة والظواهر الطبيعية والانفعالات الوجدانية فتصبح كأنها أشخاص بارزة، وهذا له فائدة في وصول المعاني إلى النفوس، بخلاف ما لو عرضت في صورة تجريدية. * كيف ترون الدور الذي يقوم به مجمع الملك فهد لخدمة القرآن؟! - نحن نشكر للمملكة هذه المجهودات الضخمة التي تقوم بها من طبع وإصدار القرآن الكريم في طبعات مختلفة الأحجام في وقت يحتاج المسلمون فيه إلى التوعية الصحيحة، كما أن إخراجه للطبعات المترجمة لمعاني القرآن الكريم بمختلف اللغات يعمل على توعية المسلمين في شتى أنحاء الأرض بالتفسير السديد، والفهم القويم لكتاب الله عز وجل. أما بالنسبة للتسجيلات الصوتية للقرآن الكريم بأصوات كبار القراء والتي توزع على المسلمين في مواسم الحج والعمرة، فهي والله ذات فائدة عظيمة نظراً لأن الكثير من المسلمين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، فكان توزيع الشرائط المسموعة توفيقاً عظيماً، ونأمل أن يتم توزيع شرائط مسموعة عن التوحيد والعقيدة الصحيحة بمختلف اللغات على الحجيج والمعتمرين في كل عام، لما لأم القرى من تعظيم في نفوس المسلمين قاطبة. كما أن طباعة وتوزيع القرآن الكريم وتفسيره على المسلمين بمختلف اللغات، والتي بلغت إصداراته حتى الآن حسب علمنا أكثر من سبعين إصداراً، جانب هام من جوانب الدعوة الإسلامية لأنها تخاطب ألسنة أخرى وعقولاً مختلفة المشارب والاتجاهات وتوجه لبلدان في مختلف الأصقاع والبقاع، كما أن ما يقوم به هذا المجمع من حفظ وجمع للكتب المخطوطة والوثائق والمعلومات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، في مركز الدراسات القرآنية، وكذلك تحقيق الكتب التراثية المتعلقة بالقرآن الكريم، عامل حفظ كبير لتراث هذه الأمة، ومجهود طيب تشكر عليه المملكة وهي أهل لذلك بعونه تعالى عز وجل. ونرى أن ما يقوم به مركز الترجمات من ترجمته لتفسير ميسر مختصر للقرآن الكريم معتمداً على عمدة التفاسير للحافظ ابن كثير، بجانب ترجمته لمعاني القرآن، لهو عمل عظيم حقاً وفخراً لمن قام به وساهم في إخراجه، ونرى أن أهداف مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الثمانية وهي: الهدف الأول: طباعة المصحف الشريف بالروايات المشهورة في العالم الإسلامي. الهدف الثاني: تسجيل تلاوة القرآن الكريم بالروايات المشهورة في العالم الإسلامي. الهدف الثالث: ترجمة معاني القرآن الكريم وتفسيره. الهدف الرابع: العناية بعلوم القرآن الكريم. الهدف الخامس: العناية بالسنة والسيرة النبوية. الهدف السادس: العناية بالبحوث والدراسات الإسلامية. الهدف السابع: الوفاء باحتياجات المسلمين في داخل المملكة وخارجها من إصدارات المجمع المختلفة. الهدف الثامن: نشر إصدارات المجمع على الشبكات العالمية.
|