|
انت في
|
لو كان الشيخ عبدالعزيز أبا بطين طبيبا أو رساما، وامتهن الشعر لقلنا: إن هناك علاقة بين المبضع والفن والفكر بوجه عام، لأن الطبيب يعالج الأجساد بينما الشاعر يعالج العقول، لكن أن يكون الرجل مهتما بعقد الصفقات التجارية وحسابات الدائن والمدين، وتوقع الربح والخسارة ثم يتجه للشعر الراقي، فهذا إشكال جديد لم نعهد مثله إلا نادرا، إذن ما الجامع بين صرف الدولار وصرف اللغة؟
لاحظ المفردتين الغوادي والعوادي، فقد سبقت كلا منهما (أخا)، وهو تطابق جميل وذا حس أجمل عند انتهاء العبارة بشيء من السكون. والشاعر في هذه اقصيدة لا يبكي شخصا، وإن كان يعنيه ذاته، لكنه يبقى صفات الرجولة التي فقدها وهي ممثلة في ذلك الشخص، فهو أخ للعوادي، صامد مع الأصدقاء، مخلص للوفاء مهما كان، هكذا كانت بعض صفات المرثي. وأحدث قصيدة في الديوان كانت سنة 1995م شهر يناير، وهي بعنوان رحلة على أنغام الناي:
ولا أظن تلك حقيقة الشاعر، لأن العاطفة مهما تجبرت فلا بد أن تلين وتخشع لما هو أكبر من قدراتها الحسية والنفسية، وبل هو قد نسي أنه قال في نفس القصيدة:
وكما قلت سابقا، فلن يستطيع الصبر أو النسيان للحظة الحزن مهما ابتعدت عنها مخيلته كشاعر وإنسان، ومهما حاول أن يكون أكبر منها.ولعل المتتبع للديوان من خلال القصائد التي فيه، يرى أن هناك حلما وألما وأملا يخفيه الشاعر، ويحاول أن يطمس معالمه بشيء من التجمل والاتكاء على قوة الذات المعنوية والحسية، بل قد يصور نفسه جامدا تجاه تلك الصروف من الزمن، بيد أن لسانه يشي به عندما يبدأ في مطالع قصائده المنتشرة في الديوان، ولو تتبعنا مطالع القصائد لوجدنا الشيء الكثير من ذلك،
فهل بعد الصبابة والهيام شيء يسمى الصبر أو التجلد؟ لا أظن
ففي هذا المطلع يبدو الشاعر واهي القوى وخائرها أمام تلك النخلة، بل هو استعمل مفردة الفعل الدال على التجرد من كل شيء الذي يفيد التمني والرجاء (أعود) ولم يقل نعود مثلا، لأنه هنا يبدي للقارئ شيئا من الاستسلام لقهر الزمن وحكمه عليه وعلى النخلة بالفراق، وهو لا يستطيع أن يفعل شيئا سوى التمني بأن (أعود). وكذا مطلع القصيدة اذكريني( أما مطلع القصيدة حنين) فهو مطلع فاضح وصارخ بالألم الذي يتبدى في شكل التحسر على سويعات وادي الحب الذي قد جف أو أوشك، وفي قصيدة (ويبقى الشوق) تبدو ثورة الجماح والتجلد والصمود على الرغم من الانهيار الواضح، فهو قد سئم من العذاب، والسأم نوع من كثرة التكرار الذي يتبلد معه الحس أو يختفي معه التجديد، والعذاب الذي سئم منه يبدو أنه طويل وممل، حتى أصبح كالتعود والتكرار الممل له. والأمثلة كثيرة تدل على اصطناع الشاعر للصبر والتحدي له، وهي سجية بشرية نتيجة الضعف أمام القوى الأكثر دمارا لحياة أو مشاعر الإنسان، ومهما حاول الشعراء بوجه عام التجلد والتصبر إلا أنه سرعان ما ينهار الرصيد اللحظي السريع ليعودوا إلى تركيبة الإنسان المشتكي دوما مهما مارس من حياة الرفاهية والسعادة. ديوان بوح البوادي يحمل نفسا عنيدا وصلبا يحاول الشاعر أن يبدو به، ولكن الجميل في تلك المسرحية المتقنة أن الشاعر أشار بإشارة يفهمها المتتبع لحياة وكفاح الشاعر نفسه إلى طرف آخر، كان كما يبدو له له جهد وصبر ومصابرة مثل الشاعر ذاته، وهذا الشخص هو من أهدى إليه الديوان برمته، وهي رفيقة الدرب، وهو عرفان مبهج وجميل يدل على سمو وقوة نفس الشاعر حينما اعترف أن هناك جناحا ساعده على أن يطير.
بيت جميل وإبداعي يغري من يتذوق الحس الأدبي أن يحفظه ويردده، ألا تلاحظون جمال (أنا بنينا المنى من غصة النكد؟ فهو هنا قال (المنى) والأماني عذاب ويسبقها نكد وتوجس وخيفة من الفشل أو السقوط، لكنه بناها من خلال تلك المحاذير التي أبرزها (النكد) وهي طبيعة بشرية حتمية أيضا، ويبدو لي أن الشاعر يشير إلى قوله تعالى :{ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}(4) سورة البلد، أي مكابدة النكد والتعب والتحمل. ومسألة الحب عند الشاعر هي الجمال ذاته، أي الجمال في كل شيء يراه حتى ولو كان عصفورا يغرد وحده على غصن ناء عن الناس، فهنا سيلاحظ الشاعر أن هناك حبا، حبا للغناء، حبا للإبداع وترنيمة الصوت، حب الجمال الآدمي المتمثل في أوصاف يطلقها الشاعر على سلمى كشخص شاخص للحب فقط. الديوان يربك القارئ بكثرة التنقل بين أفانين الحياة المختلفة، فمرة صورة لحياة البدء والكفاح، ومرة بين أشجار النخيل، وأخرى بين أزاهير تغري أن تكون وسط خمائلها، وهكذا حتى يكون آخر قصيدة الناي الذي ينوح بلا مستمع مرهف له. حقا كانت متعتي جميلة أثناء قراءة الديوان، وها هي انطباعاتي عنه. * ص.ب 102211 /الرياض 11675فاكس 2372911 * أديب وباحث في تاريخ الجزيرة وأنسابها.. صدر له سياحة الشقاء، رواية فازت بالمركز الأول للإبداع الروائي بأبها 1422هـ الأسماء الشعبية عتيبة والنزول لنجد... البادية النجدية تحت الإعداد روايتا الريف النجدي الإخوان في عهد الملك عبدالعزيز بدايات الشعر النبطي.
|
[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة] |