في مشهد دراماتيكي غير مسبوق في دبلوماسية الحكم، يدخل ملك الأردن الشاب عبدالله الثاني يوم 16 أغسطس الماضي، ويتوجه مباشرة إلى المنصة دون أن يصافح كبار القوم الذين دعاهم إلى القصر، وهم رؤساء وأعضاء مجلس الوزراء ومجلس النواب والأعيان، ويبدأ خطبة فيها طغيان الغضب وعدم الرضا والشعور بالخيبة من الأداء، ومن الأفكار ومن المواقف، وربما من المصطلحات التي يتداولها أهل السياسة في الأردن. قرأت الخطاب عدة مرات، ومن يقرؤه يقف على حجم التباعد بين نهج الملك وفكره، وبين فكر السياسة الأردنية المتوارثة. كنت أزور الأردن بصورة منتظمة قبل الغزو، وآخر زيارة كانت لي إلى عمان قبل سنتين، لم ألمس الجديد في قاموس المصطلحات الأردنية الذي اعتادت عليه النخب، كنت أتعجب من مواقف الملك حسين، وصرت أعجب بمواقف الملك الجديد. يقول الملك الذي يتشكل تفكيره من مادة تختلف عن المحتوى الذي اعتاد عليه أهل السياسة في الأردن: (وبصراحة يا إخوان إذا كان الإخوة النواب غير راضين عن أداء الحكومة فإن المواطنين - وأنا أعرف أبناء شعبي، غير راضين عن أداء الإخوة النواب، وعندما نواجه مشكلة يبدأ كل واحد بتحميل المسؤولية لغيره، أو يكتفي بموقف المتفرج أو المراقب، وبالتالي مطلوب من رأس الدولة أو الملك أن يتدخل، وكأن المسؤولية مسؤوليته لوحده.. لا يا إخوة إن المسؤولية مسؤولية الجميع، وكل واحد لازم يقوم بواجبه، ويتحمل مسؤوليته بشجاعة وإخلاص، ومن غير المعقول ولا المقبول أن يتدخل الملك في كل صغيرة وكبيرة أو يحمل المسؤولية وحده). يحمل الملك عبدالله الثاني مشروعاً وطنياً ينقله معه في كل سفراته، وفي كل اجتماعاته ويعمل - بانتظام - لترسيخه لدى الأوساط السياسية والشعبية في الأردن، يريد أن يكون الأردن قادراً على مواجهة تحدي افتقاره للموارد الأولية، وتحدي تعقيداته الجغرافية والسياسية، وتحدي التناقضات الداخلية، وأكثر يريد الملك الإجهاض على أمراض الثرثرة السياسية وإغلاق دكاكين الحكايين في الصالونات الاجتماعية التي تمتلئ بها الساحة الأردنية، ويريد للجميع أن يقف وراء المشروع الملكي في تحويل الأردن إلى بلد التنمية البشرية تعويضا عن قسوة الطبيعة عليه، ويريد أن يكون الأردن مستوطنا للاستثمار الإقليمي، ومزاراً للسياحة التراثية والمحافظة، ويريد أن يطور الأردن إلى مرفأ صحي للعلاج الإقليمي، ومكان مميز للعلم والتعليم، ويريد أن يصوغ الأردن الجديد المحصن من الآفات المنتشرة في حوض الشام، من أيدلوجيات مدمرة وتراث متطرف وذهنية مستسلمة للإشاعات. هل ينجح الملك المتشرب بالأفكار المستنيرة والمستقبلية في اجتثاث التراث الذي تربى عليه السياسيون في الأردن؟ ليس من السهل قراءة المستقبل مع أن الخطاب الغاضب والساخط يحدد المفاهيم التي يريدها الملك للأردن الجديد. هل يمكن أن يخرج الأردن من إسقاطات القضية الفلسطينية بما فيها حدة المواقف، وبما فيها من ضعف القيادات وتسلط الإحباط لدى اليائسين؟ واضح أن الملك سائر بعزم على مشروعه، وواضح أيضا بأنه يبحث عن طاقم يساعده في صوغ المجتمع المتفهم والمتقبل لجدول الأعمال الذي يقلق الملك في ليله ونهاره، ولن يتوقف أمام معارضين اعتادوا على النهج القديم الذي يضع الأردن في قلب أحداث المنطقة وطرف مؤثر في التفاعل معها. يقول الملك كما جاء في جريدة القبس في عددها الصادر يوم الخميس الأول من سبتمبر: أن تحسين الوضع الاقتصادي وجذب الاستثمار إلى الأردن يرتبطان بشكل وثيق بالحفاظ على الأمن وتمتين الجبهة الداخلية لتفويت الفرصة على المحاولات التي تسعى للنيل من أمن الأردن الذي يعد ركيزة أساسية للاستقرار في المنطقة. وأن الأردن ماض في خطة التطوير والتحديث وأن لا رجعة للوراء في عملية الاصلاح، وسيتخذ كل الإجراءات الممكنة لمجابهة التحديات ومواجهة العراقيل التي تقف عائقاً أمام تقدمه، ولكي يحقق الملك هذا البرنامج الضخم، تبنى ثلاثة مسارات بدت واضحة في مسيرة الملك عبدالله. أولاً : تهيئة الجبهة الداخلية بسحبها نهائياً من أسلوب الماضي في التعاطي السياسي، وتبديل المصطلحات وفق شعار الأردن أولا والتنمية سبيلا والانفتاح ممراً، والابتعاد نهجاً. ونرى في خطابه غير المسبوق الحديث عن صالونات الحكي التي يمارس بعض روادها أو أصحابها تسريب الإشاعات والأخبار الكاذبة إلى الصحافة الأجنبية ( لخدمة أجندتهم الخاصة أو الاستقواء على هذا الوطن من خلال علاقاتهم ببعض الجهات الخارجية، وأريد أن يعرف هؤلاء أن لا أحد يستطيع أن يستقوي على الوطن. أنا أعرف هؤلاء الأشخاص وأعرف أهدافهم وحركاتهم، حتى أنا ما سلمت من الطخ والحكي الفارغ). ويتحدث الملك عن ترويض المجتمع بلا وساطة حيث يقول: (التحديات أمام الأردن أكبر بكثير من الوقوف عند مين بده يصير وزير أو بده يصير رئيس وزراء أو رئيس مجلس نواب أو أعيان، مصلحة الوطن يا إخوان أكبر من كل المناصب.. وليس من مصلحة الوطن أن تصبح العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية علاقة صراع أو شد حبل، ولا من مصلحة الوطن أن يتحول مجلس النواب إلى ساحة بين الكتل ومراكز القوى). ثانياً : مع سعي الملك لترويض البيئة السياسية والفكرية للنهج الجديد، يعمل الملك بدبلوماسية متحركة تجتهد لحماية الأردن من التقلبات الإقليمية وتحصينه من صراعات المنظمات الفلسطينية وخصومات دول الجوار وتقاطع الأيدولوجيات، ويعمل بانفتاح من أجل تسهيل مسيرة المفاوضات، يتحرك ويتعامل ويدعو ويتحدث، كل ذلك لصون الأردن الجديد من السقوط في مستنقع المعلقات الاقليمية. ونرى كيف يستقبل الملك يوم الثلاثاء الماضي 30 أغسطس رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود باراك في عمان في دعوة واضحة لاستكمال انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وفق خطة خارطة الطريق، والتواصل إلى سلام حقيقي مع الفلسطينيين. ويتحرك الملك في جولاته الكثيرة في جهود متواصلة مع المجتمع الدولي لدعم مسيرة السلام ودعم الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني للوفاء باستحقاقات خارطة الطريق. ثالثاً: يمكن القول: إن ملك الأردن أكثر الملوك سفراً وأكثر القادة تحركاً من أجل إغراء الاستثمارات الأجنبية داخل الأردن، ومن أجل بناء بيئة استثمارية عالية في الأردن. نظم مؤتمرات دولية مستمرة في العقبة وعلى ضفاف البحر الميت مستعيناً بالخبرة الدولية لمجموعة دافوس. ونجح في تشييد علاقات نشطة مؤمنة مع قادة أوروبا، ومع الأطراف العالمية المهمة، ذهب إلى سنغافورة ليقتبس وإلى طوكيو ليغري، وإلى واشنطن ليخفف التوتر، وإلى القاهرة لينسق، وإلى الخليج ليؤمن.. وكعادته، أنهى خطابه التاريخي الذي حرك نزعة الاسترخاء لدى السياسيين الأردنيين، وخرج من القصر دون وداع إلى المطار في رحلة رسمية إلى موسكو. يمكن القول: إن خطاب الملك مناسب في كل عاصمة عربية وفي كل الظروف، ويمكن القول: إن ملك الأردن يتشكل من محتوى آخر.
|