في كل عام تغص المطارات، وتنوس المحطات، وتشتعل المنافذ، وتُستنفر القوى البشرية، لفك الاختناقات، وتسهيل العبور إلى آفاق المعمورة.. وما أحد أخذ أولئك المتدافعين بالنواصي والأقدام، وإنما هو خيار شخصي محض، والمتدافعون لا تجد فيهم المثني ولا المعذر لعقابيل السياحة ومتاعبها.. وعجائب السياحة لا تنتهي، فالسائحون في كل زمان ومكان، لا ينفكون منها، ولا ينفكون من ذمها، والشكاية منها.. ولقد شكا (المتنبي) وهو في (شعب بوَّان) من المبارحة، واشتكى من ملاعبها، فكان قدوة لمن خلف.. والاختلاف حول الظواهر والقضايا والأناسي ظاهرة صحية، ومؤشر إيجابي، متى أخذت الأمور بحقها.. وهذا التباين في المواقف والآراء لمح من خلاله رائد العبقريات مؤشرات العبقرية، فما اختلف الناس حول شيء إلا كان له شأنه الذي لا يُستهان به.. وما من عبقري إلا وللناس فيه مذاهب شتى، يرفعه قوم، حتى لا يعلوه مخلوق، ويهبط به آخرون، حتى لا يكون دونه مخلوق. والأشياء كالأناسي، فما من مؤسسة أو هيئة أو مسؤول إلا ولهم مستنهضون ومثبطون، مستفيدون ومتضررون. وليست العبرة بالفيض العاطفي، ولا بمجازفة المدح أو فاحش الهجاء، وإنما هي في الأداء المسدد والحضور الفاعل، والتصور السليم.. ولقد كان لي تناوش قبل عام مع هيئة السياحة، أحسبه مهذباً ومتوازناً، ومن نتائجه تقوية الروابط مع أربابها، ولم أكن يومها مادحاً، ولا قادحاً، بل كنت ناقداً يعيب نقص القادرين على التمام، ولا يطلب المستحيل، ولا ينكر الجميل. وحين يحلو للكاتب أن يتحدث عن عوائق السياحة ومشاكلها، فليس ذلك بالضرورة منصباً في أوعية المسؤولين دون غيرهم.. وإذ تكون الهيئة أو المنطقة طرفاً في كل متعلقات السياحة فإنهما لن تكونا مسؤولتين عن كل تلك المتعلقات.. وحين تكون الهيئة أو غيرها طرفاً، ثم لا تكون سبباً رئيساً فإن من أولويات مسؤولياتها أن تنقّب في المعوقات، وأن تلتمس الحلول، لا أن تبحث عن المعاذير، ولا أن تشجع المعذرين.. وحين تبدو المعوقات ماثلة للعيان، أو مهداة لها من الكتاب، ثم لا تكشف عن ساقها، وتركض برجلها، لتلافي أي معوق، يتحوّل التساؤل إلى مساءلة، والتذكير إلى نكير. وتجربتي مع صاحب السمو الملكي الأمير (سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز) ومن معه من صفوة العاملين مغرية بمزيد من المطالبات الطموحة، حيث استقبلوا ما سلف من نقد برحابة صدر، وأبدوا ما لديهم من مشاريع منفذة وأخرى تقرب التنفيذ.. وما استأت من شيء استيائي من تصريحات متذمرة، تشكو العوائق، وتضيق بالواقع الذي لا يبارك الخطوات التطويرية.. ولست أشك أن السياحة حمالة أوجه، وهي بحاجة إلى مزيد من التحديد والمكاشفة والعناية والدعم: الحسي والمعنوي، فالناس أعداء لما جهلوا، وفوضى السياحة فيمن حولنا مدعاة إلى مزيد من التساؤل، ومن عرف السياحة معرفتي بها خاف مما لا يخاف منه، وهي كما قضايا المرأة محفوفة بالشبهات. وإذ تواجه مشاريع السياحة بعض المعوقات، فإن ذلك مؤذن بمزيد من التفكير والتقدير والتدبير، فالتحفظ حق مشروع لكل مواطن، وواجب المسؤول أن يستمع وهو شهيد لكل تساؤل أو تحفظ، فإن كان ما يُثار مشروعاً، وجب تقبُّله بقبول حسن، وإن لم يكن مشروعاً، وجب دفعه بالتي هي أحسن.. وحين يتخوّف (الرأي العام) من المبادرات، أو حين يبدي تحفظه على التصريحات فإن على المسؤول أن يصيخ، وأن يتصرف بطريقة تبعث على الثقة والاطمئنان، ف(الرأي العام) ظاهرة طبيعية، لا يجوز تجاهلها، وكل الوسائل الإعلامية والتربوية والدعوية بحاجة إلى إتقان سياسته، وتحويله من المواجهة إلى المعاضدة، و(الرأي العام) المتشايل أو المتسائل لا يعد من جماعات الضغط المتربصة. وأي مجتمع مدني لا يخلو من جماعات ضغط وأحدية الرؤية، ورأي عام متعدد الرؤى والتصورات، ومثلما أن أي تجمع إنساني يتمخَّض عن سلطات متعددة: حميدة أو سيئة، فإن ذات التجمع حين يرقى إلى مستوى المدنية يتمخَّض عن جماعات ضغط وعن رأي عام حميدين أو سيئين، متأصلين أو عارضين.. وحق (الرأي العام) الملاطفة والتطمين، أما جماعة الضغط فشيء آخر.. ولكل ظاهرة آليات مواجهتها وتفكيكها.. وحين يفرز المجتمع مثل هذا النوع من الجماعات، ثم تجرؤ على تهييج (الرأي العام) تكون المواجهة أكثر تعقيداً.. وبلادنا والحمد لله لم تبلغ فيها جماعات الضغط ولا معارضة الرأي العام حد الظاهرة، وما يبدو من تساؤل أو تحفظ إن هو إلا ظاهرة طبيعية.. والموقف المتحفظ أو المتردد من المستجدات ليس حكراً على السياحة، فكل قطاع يشكو التساؤل والتأويل المخالف، وما نقوله عن السياحة إن هو إلا من باب ضرب الأمثال. ولما كانت الدولة تتجه صوب المأسسة، ولما كانت كل مؤسسة قادرة على ممارسة مهماتها وفق مقتضيات المصلحة العامة، فإن عليها معالجة قضاياها بالحلم والأناة، والذين يظنون أن حياتهم العملية ستمر كما السمن على العسل يجهلون سنّة الله في خلقه، وهي سنّة الاختلاف (ولهذا خلقهم).. فالاختلاف والصراع إكسير الحياة، ولا حياة بدون اختلاف، بل لا لذة ولا قيمة للحياة بدون صراع إيجابي. المهم ألا تصل طوائف الأمة وأطيافها إلى حد الصدام المؤدي إلى الفرقة والتّربص.. والمتابع للتاريخ الاجتماعي، وبخاصة ما تمَّ رصده عن (الرأي العام) يقف على محطات متوترة، ولقد وقفت على دراسات اجتماعية عن أحوال العامة ومواقفهم في العصور الذهبية لصدر الإسلام، وبالذات في الحواضر الإسلامية ك(بغداد) و(القاهرة) في العصر العباسي والفاطمي، فوجدت ما يُضحك ويُبكي في آن، وكم عنَّ لي أن أرصد تململ الرأي العام في التاريخ الحديث وأثره على مشاريع الدول ومبادراتها، وتراجع بعضها في بعض الأحوال أو تعديلها لبعض المبادرات.. والهدف من ذلك تسليط الضوء على أساليب المعالجة الحكيمة للمعارضات الإيجابية، وإثبات أن للرأي العام كلمته التي قد تعلو على كلمة السلطة الشرعية، وذلك مؤشر على أهلية (الفكر السياسي الإسلامي) وقدرته على مواجهة النوازل ومسايرة النظم السياسية الحديثة.. و(الرأي العام) عرف بمفهومه الحديث مع (الثورة الفرنسية)، لكنه بوصفه ظاهرة من ظواهر التجمع الإنساني يرجع إلى عهود تاريخية سحيقة، ولقد تمَّت رعاية مشاعره في الإسلام، بل روعي على يد رسول الرحمة. أحسب أن هذه التداعيات شطت بي عن صلب الموضوع، وهي وإن كانت تداعيات مرتبطة بالحدث والحديث إلا أنها مأخوذة بالاستطرادات (الجاحظية) المحببة إلى نفسي، وعوداً إلى متن الحديث، أقول: إن الناس في كل مكان يشكون من السياحة، بل أكاد أجزم أن سوادهم الأعظم لم يفهمها على وجهها. ومصطلح (السياحة) كأي مصطلح حديث تتشعب به المفاهيم، حتى لا يكون جامعاً مانعاً.. وهو في (النص التشريعي) يعني الصيام وجذره اللغوي: الذهاب في الأرض، وهو كافٍ لتحمل المتعلقات الحديثة، وللغويين تأويلات بعيدة المناط حول ذلك.. والشايع في كتاباتنا الإصلاحية جعل المؤسسة والمسؤولين فيها المصدر والمورد، فهم وحدهم المقصرون والمسؤولون، وما من كاتب عدت عينه إلى الواقع وما يعج به من عواتق، فالمقدمات الخاطئة تؤدي في النهاية إلى نتائج خاطئة. نعم هناك تقصير من المؤسسات ومن المسؤولين القائمين عليها، فهم في النهاية بشر عاملون، والعصمة للرسل وحدهم، لكن دعونا نتجاوز المسؤولين، ولو إلى حين، لنوقظ واقعنا المخدر بالتزكية والمثالية والادعاء العريض، ونقف به على تقصيره أو تثبيطه، والوقوف الشحيح معه سيكشف عن أكثر العقبات تعقيداً. ومن نماذج المعوقات: تفاوت الآراء حول مشروعية (الترويح) بوصفه من أهم مفردات السياحة.. وللتذكير فقد تناولت هذا الموضوع وتأزمه بين الإفراط والتفريط في محاضرة سلفت، مع أنه ضرورة خارج إطار السياحة، ولا سيما بعد الغزو المحموم عبر القنوات والمواقع وثورة الاتصالات، وسوف تأخذ المحاضرة طريقها إلى النشر بعد تنقيحها.. ومجمل القول: إننا لسنا مع الانفتاح المخل بالحشمة، ولا مع الورع المفوّت للزينة واللهو البريء الذي يعجب الأنصار. ولست أشك أن من المعوقات - وهي في نظري من المسلمات - ضعف التأهيل: الطبيعي والبشري، ونقص الاستعداد للتوفر على أجواء سياحية مغرية، وبخاصة في العنصر البشري، وإذ لا نفكر في تهيئة الكوادر البشرية في المنظور القريب فإن علينا أن نبادر في إنجاز ما يمكن إنجازه من الخدمات الأخرى، فالمساكن والمتنزهات والخدمات والمواصلات والأسعار والتسهيلات والعلاقات دون المستوى المطلوب، وإذ يكون لدينا ثلاث مناطق سياحية مهمة فإنها متفاوتة في الإمكانات: الطبيعية والصناعية. ف(أبها) تقدم قومها في الأجواء والدعاية وشيء من الاستعداد، وإن لم تزل دون المؤمل، أما ما سواها فمشيها وئيد، وقد يوصف بالتوقف.. ولأن البلاد تعتمد على الاستيراد والعمالة، فإن عوائد السياحة مدخولة، لكن النظر فيما تستنزفه السياحة الخارجية من المواطن مدعاة للتحرف السليم، وبين هذا وذاك ترتفع نبرة الاختلاف حول الضرورة والترف السياحي. وما تمارسه بعض المناطق من إعداد مكثف للبرامج الترويحية، يمتلك جذب المواطن، ولا يغري السائح الغريب، وهو عمل صاخب لا يتم إلا بالإنفاق الباذخ والجهد الجهيد، وليس هناك توازن بين الإنفاق والعائد، وليس في مجمله تأصيل للسياحة، وإذ أكون سائحاً بطبعي، ومنوعاً للسياحة في الزمان والمكان والراحلة والرفقة فقد خبرتها حتى لكأني (بنو لهب) أو (حذام). وفي كل عام أحاول نفض وضر العمل ومعاناة الرتابة بالفرار إلى منتجع سياحي داخلي أو خارجي، وقد أجمع بين الشتيتين، متى اختلفت آراء العائلة، فتكون الرحلة داخلية خاطفة، أنفذ بعدها بجلدي إلى رحلة خارجية، ولقد كانت رحلة العام المنصرم في منتجع (بلودان) أكثر إيجابية ومتعة، ومن فوائدها التّفرغ لقراءة فكر (عبد الله القصيمي) والخروج بملاحظات خاطفة تمثَّلت بمقالات (تداعيات قراءة دمشقية).. ولقد هممت أن أعيد الكرة في مصر، فاختار مفكراً مثيراً مثل (العشماوي) أو (فودة) أو (أبو زيد) لكن (القاهرة) و(الإسكندرية) كانتا محطة عبور إلى منتجع (مارينا) قرب (العلمين)، ولقد وجدت مكتبات صغيرة منتشرة في المنتجع الممتد على طول عشرة أكيال أو تزيد على الساحل الجميل بزرقة مائه، وصفاء هوائه، وخفة سكانه، وتقارب مدنه السياحية ومنتجعاته. ومنتجع (مارينا) الذي أنفقت فيه الشركات المحلية والعالمية المليارات من الدولارات، حتى فاق نظائره، ك(درة العروس) ينقصه الشيء الكثير، وينقص نزيله الشيء الأكثر، وهو منتجع ممتد عامر بالقصور والبحيرات الصناعية والأسواق والمطاعم والملاعب، وسوحه وأسواقه وبحيراته وشواطئه أشبه بملاعب الجِنَّة في (شعب بوَّان)، والمنصرف إليه والمنصرف منه كما وقع السهام ونزعهن أليم. وإشكالية السياحة الخارجية أنها محكومة بما لا يقبل به كل سائح من صخب سخيف يعده ذووه من الفن الرفيع، وما هو إلا العبث الوضيع، ومن تبرج وقح من فتيات عربيات وأعجميات كاسيات عاريات يعدونه من المدنية والتّحضر وحرية الممارسة الشخصية، وما هو إلا عين العهر والتفسخ.. والجميل في ذلك المنتجع الحديث أنه يتداخل مع مدينة (العلمين)، وهذه المدينة الصغيرة تتمطى على صفحات التاريخ الحديث، يعرفها كل من له أدنى إلمام بأحداث الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1942م تقدمت القوات الألمانية من (طبرق) ب(ليبيا) حتى مدينة (العلمين) في زحفها المدنس نحو الإسكندرية، وبعد عام من الزحف المشؤوم هزمت القوات البريطانية الألمان في معركتين رئيستين، عند تلك المدينة الصحراوية، ومنعت الألمان من غزو مصر.. ولقد ظلت المدينة الصغيرة الصحراوية البدوية تحتفظ بأشياء كثيرة، ولم يلحقها بالمدينة إلا ما اكتشف فيها من (بترول) ومن ذلك السيل الجرار من السياح العرب والغربيين الذين يقرؤون على صفحات الصحراء جنون الحرب وعنفوان التسلط، لقد أكلت الصحراء آلاف الجنود الغربيين وطمرتهم تحت سوافيها، ولم تزل صحراء العلمين تحدث الناس عن جنون الإنسان وتسلطه. مررت بهذه المدينة الصغيرة، ووقفت حول مواقعها التاريخية (وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه)، وتأملت أحياءها وأسواقها ومنعطفاتها، وعدت بالذاكرة إلى تلك الساعات العصيبة التي عاشتها تحت سنابك الخيل ومجنزرات الراجمات والدبابات وعجلات المدافع وآلاف المجندين من ألمان متغطرسين وبريطانيين ماكرين، وما حقق المعتدون من تلاحم جيوشهم إلا الخسار والبوار. وتأكد لي أن الآيات والنذر لا تغني عن قوم لا يؤمنون، فالمتغطرسون يعيدون الحرب جذعة، وشبابهم تزهق أنفسهم بعيداً عن ديارهم.. وقراءة المواجهات الشرسة في (العلمين) بين الألمان والبريطانيين ليست بأسوأ حال مما يجري في بقاع كثيرة من العالم:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموا وما هو عنها بالحديث المرجم |
لقد جنت الحروب على موقديها وعلى وقودها من الناس والأشياء ويلات وعذابات، وستترك آثاراً سيئة على المدى الطويل، وكل من خرج خاسراً لا يفكر بالخسارة، وإنما يخطط لجولة أكثر خسارة، ويكفي شاهداً عدلاً على ويلات الحروب ما نشاهده في (عراقنا) الجريح، الذي يفقد ذاكرته وعروبته ووحدته، وليس بمقدور أحد أن يعيد له بعض ما فقد.. وستظل السياحة مشروع تساؤل ومضمار لزز لكل من أنفق فيها جهده وماله ووقته، ثم لم يعد بموعظة أو بمعلومة، ولما كانت السياحة سفراً فإنها تسفر عن وجوه الرجال وعما هم عليه من أخلاقيات.
|