حظيت الأوقاف باهتمام خاص من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- ويتجلى ذلك من إصداره - رحمه الله- أمره السامي الكريم رقم (أ-3) في 20-1- 1414هـ القاضي بإنشاء وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد أوكل إليها الإشراف على شؤون الدعوة في الداخل والخارج وكل ما يتعلق بالأوقاف الخيرية وتنمية أعيانها. كما أصدر -رحمه الله تعالى- أمره التاريخي القاضي بتحويل قلعة أجياد بمكة المكرمة إلى مشروع وقفي استثماري يعد من أضخم المشاريع الوقفية التي شهدها التاريخ الإسلامي على مر العصور وحمل اسم مؤسس هذه البلاد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وخصص ريعه للإنفاق على الحرمين الشريفين، وتولى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - وضع حجر الأساس لهذا المشروع المبارك يوم الخميس 23-9-1423هـ. كما أن معاناة الأقليات المسلمة في العالم كانت من صلب اهتماماته -رحمه الله- وهذا ما جعل تركيزه ينصب على تشييد مساجد ومراكز ثقافية وقفية ببلدان شتى من أصقاع العالم تخدم الجاليات المسلمة وينطلق منها قوافل الدعاة الذين يتولون إيضاح الصورة المشرفة لهذا الدين العظيم وأهدافه السامية، ومن هذه المشاريع الوقفية الرائدة:- 1- مركز الملك فهد الثقافي والإسلامي في بيونس آيرس (الأرجنتين): وقد بني على نفقة خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - بتكلفة قدرها (112.500.000) مائة واثنا عشر مليوناً وخمسمائة ألف ريال على أرض تبلغ مساحتها (33.670)م2، ويبلغ مجموع مساحات البناء (17.310)م2. 2- المركز الإسلامي الثقافي في مدريد (إسبانيا):- يعد من أكبر المراكز الإسلامية في أوروبا، وتبلغ مساحته (18) ألف متر مربع. افتتحه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بتاريخ 24-3-1423هـ نيابة عن خادم الحرمين الشريفين -رحمه الله-، وحضر الحفل ملك إسبانيا وتكفل خادم الحرمين الشريفين بنفقات المركز كاملة التي بلغت (93.750.000) ثلاثة وتسعين مليوناً وسبعمائة وخمسين ألف ريال. 3- مسجد مدينة ليون (فرنسا):- تم إنشاء هذا المسجد على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - وبلغت تكاليف بنائه (18.130.800) ثمانية عشر مليوناً ومائة وثلاثين ألفاً وثمانمائة ريال، وتبلغ مساحة المسجد (70) ألف متر مربع وتم افتتاحه بتاريخ 30-9-1994م. 4- جامع خادم الحرمين الشريفين في جبل طارق:- افتتحه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود يوم الجمعة 5-8-1418هـ وقد بني على النفقة الخاصة لخادم الحرمين الشريفين - رحمه الله -، وبلغت تكلفته (30.000.000) ثلاثين مليون ريال سعودي، وأُقيم على أرض مساحتها (5.200م2). 5- مركز خادم الحرمين الشريفين الثقافي الإسلامي في مالقة (إسبانيا):- وقد وضع حجر الأساس لهذا المشروع المبارك صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز آل سعود يوم الاثنين 8-4-1418هـ ويقع المركز بوسط المدينة، ويتكون من خمسة طوابق بسعة إجمالية قدرها (12590) مصلياً، كما يوجد مصلى آخر للنساء يتسع لحوالي (800) مصلية، وقد تم تنفيذ هذا المشروع على النفقة الخاصة لخادم الحرمين الشريفين - رحمه الله -. 6- مسجد الملك فهد في لوس أنجلوس (الولايات المتحدة الأمريكية):- يعد من أكبر المساجد والمراكز الإسلامية في قارة أمريكا الشمالية، وأجملها عمارة على الإطلاق، وتبلغ مساحته (7200م2) ويتكون من أربعة طوابق ويتسع لألفي مصلٍ، وقد افتتحه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز يوم الجمعة 23-3-1419هـ وأُقيم المسجد على نفقة خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - وبلغت تكلفته (30.375.000) ثلاثين مليوناً وثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف ريال. 7- مسجد خادم الحرمين الشريفين والمركز الإسلامي في أدنبرة (المملكة المتحدة):- افتتح صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز آل سعود المشروع يوم الجمعة الموافق 8-4-1419هـ ويقع المسجد في (أدنبرة) عاصمة اسكتلندا في المملكة المتحدة، وقد تبرع خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - بـ90% من التكلفة الإجمالية للمشروع على نفقته الخاصة التي بلغت (21.945.000) واحداً وعشرين مليوناً وتسعمائة وخمسة وأربعين ألف ريال. فهذه المساجد والمراكز الإسلامية وغيرها التي أوقفها خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله تعالى - جاءت لتلبي حاجة المسلمين في أوروبا وفي المناطق التي أنشئت فيها، وكان لها الأثر العظيم في تخفيف المعاناة على تلك الأقليات وحمايتها من خطر الذوبان في المجتمعات التي تعيش فيها. ومن هذا يتبين مقدار العناية الفائقة التي أولاها خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - للمراكز والجمعيات والمساجد خارج المملكة، وهو نهج ثابت اتخذته المملكة لدعم المسلمين أينما كانوا لتمكينهم من ممارسة شعائرهم الدينية في بلادهم وفي البلاد غير الإسلامية التي يعيشون فيها والعمل على جمع شملهم وتأصيل مبدأ التآخي والتعاون بينهم في كل مكان، وتهيئة الأجواء الإيمانية لهم. كما أن عناية خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - لم تقتصر على الوقف على المساجد والمراكز الإسلامية والمكتبات الملحقة بالمساجد والمراكز الإسلامية التي تضطلع بمهام دعوية كبيرة في تلك المجتمعات بل عمل -رحمه الله- على العناية بالمدارس والمعاهد والجامعات عن طريق الوقف عليها إدراكاً منه لمعاناة الأقليات المسلمة في مجال التعليم حيث لا توجد المدارس الإسلامية التي يتعلم فيها أبناء المسلمين، مما يعرضهم للتأثر بمناهج التعليم النصرانية التي تعمل على تغريب الأجيال المسلمة وإبعادها عن دينها. لذا فقد حرص -رحمه الله- على دعم المعاهد والمدارس والجامعات، إيماناً منه بضرورة نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة وإيصال الدعوة الإسلامية إلى كافة أنحاء المعمورة والتعريف بالإسلام وإبراز الصورة المشرقة له في العالم. فقد قام - رحمه الله - بدعم العديد من المدارس والمعاهد الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، كما أنشأ العديد من الأكاديميات في خارج المملكة العربية السعودية إضافة إلى تأسيس العديد من الكراسي العلمية للدراسات الإسلامية في جامعات العالم. وفيما يلي نبذة مختصرة عن بعض الأكاديميات والكراسي العلمية التي أُقيمت على نفقته -رحمه الله-: 1- الأكاديمية الإسلامية السعودية في واشنطن:- تأسست هذه الأكاديمية في العاصمة الأمريكية (واشنطن) عام 1405هـ وهي إحدى المؤسسات التربوية التي قامت المملكة بإنشائها من أجل تدريس اللغة العربية والعلوم الدينية والمحافظة على شخصية الطالب المسلم وتوجيهه للاعتزاز بلغته والمحافظة على التعاليم الإسلامية. 2- أكاديمية الملك فهد التعليمية في لندن:- هذه الأكاديمية من المؤسسات التعليمية التي تم افتتاحها في قلب العاصمة البريطانية - لندن - عام 1405هـ لتكون مصدر إشعاع حضاري في العالم الغربي. ويتضح من خلال هذه النماذج الوقفية المباركة التي أوقفها -رحمه الله- في بلاد الغرب ما تؤديه من خدمات جليلة للأقليات المسلمة، فمثل هذه الأكاديميات العلمية تحمي أبناء المسلمين من خطر المناهج التعليمية الفاسدة التي لا تبعد الأبناء والبنات عن الإسلام فحسب، بل تعمل على صنع جدار بينهم وبين الإسلام، هذا فضلاً عن تنشئة الأبناء والبنات على العادات والتقاليد غير الإسلامية. ونظراً لأن مؤسسات التعليم الإسلامية في الغرب وأوروبا تعاني الأزمات المالية الخانقة التي تجعل الأقليات المسلمة عاجزة عن إنشائها، فإن مثل هذه الأكاديميات العلمية التي أوقفها خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - لها أثر كبير في التعليم في مجتمعات الأقليات المسلمة التي حرمت من الدعم الحكومي للتعليم الإسلامي في تلك المجتمعات الغربية التي يحظى فيها اتباع الكنيسة والجاليات اليهودية واتباع كافة الديانات الأخرى بكامل الدعم والمساندة لمؤسساتهم التعليمية. 3- أكاديمية الملك فهد في موسكو:- تم افتتاح الأكاديمية في عام 1413هـ وتضم (25) فصلاً تخدم نحو (300) طالب منتسب إضافة إلى مراحل للروضة والتمهيدي. 4- أكاديمية الملك فهد في بون (ألمانيا):- افتتحها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز بتاريخ 20-4- 1416هـ ويضم مبنى الأكاديمية عشرين فصلاً، يتولى التدريس فيها (35) عضواً من أعضاء هيئة التدريس من جنسيات عربية وإسلامية وألمانية، كما يضم المبنى مسرحاً تعليمياً ومكتبة مدرسية ومعامل للعلوم والحاسب الآلي، كما يشمل مجمع الأكاديمية مسجداً جامعاً يتسع لنحو (700) مصلٍ. وقد دعمت المملكة العربية السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين إنشاء عدد من الكراسي والأقسام العلمية المعنية بالدراسات الإسلامية في عددٍ من جامعات العالم، رغبة منها في نشر الإسلام وإيضاح المبادئ الحقيقية له، ونشر الثقافة الإسلامية، ومن أهم الكراسي:- - كرسي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز لدراسة الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة (هارفارد) الأمريكية. - كرسي الملك فهد للدراسات الإسلامية بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة (لندن) ويتوقع أن يسهم الكرسي في التعريف بالعقيدة الإسلامية الصحيحة ونشر الإسلام والدفاع عنه ضد محاولات التشويه المتكررة والمتزايدة (انظر نماذج من جهود خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في العناية بالأوقاف - د. مساعد الحديثي). إن هذه الأعمال الجليلة وهذه الأوقاف الخيرية التي خلفها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - ستظل صدقة جارية يستظل بها ويتفيأ ظلالها وينهل من أجرها كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم بقوله (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم ونتطلع إلى أن يواصل أبناؤه البررة تجسيد هذا الاهتمام البالغ بالأوقاف والعمل الخيري من لدنه -رحمه الله- بإقامة مؤسسة خيرية وقفية عالمية تحمل اسم الفقيد - رحمه الله - تواصل هذا العطاء المتدفق الفياض الذي عم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. داعين الله تبارك وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته وأن يجمعنا به في جنات النعيم ووالدينا وإخواننا المسلمين أجمعين.
خالد بن هدوب المهيدب متخصص في مجال الأوقاف |